بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد نقل اليهود عن قدماء المصريين عيد شم النسيم عندما خرجوا من مصر في عهد نبي الله موسى عليه السلام، وقد إتفق يوم خروجهم مع احتفال المصريين بعيدهم، وقد أشار كثير من المراجع التاريخية إلى أن اليهود اختاروا ذلك اليوم بالذات للخروج حتى لا يلفتوا نظر المصريين بخروجهم، لإنشغالهم بالعيد، مع ما حملوه معهم من ذهب المصريين وثرواتهم، واحتفل اليهود بالعيد بعد خروجهم ونجاتهم وأطلقوا عليه اسم عيد الفصح، والفصح كلمة عبرية بمعنى العبور أو الخروج، كما اعتبروا ذلك اليوم، يوم بدء حياتهم الجديدة، وهكذا اتفق عيد الفصح العبرى، وعيد شمو أو عيد الخلق المصرى، وقد انتقل عيد الفصح بعد ذلك إلى المسيحية، لأنه وافق مصادفة عيد القيامة، ولما دخلت المسيحية مصر، أصبح عيدهم يلازم عيد المصريين القدماء، فلذلك اختاروا أن يقع في اليوم التالي.
ولذلك يقع شم النسيم دائما يوم الاثنين أي اليوم التالى لعيد الفصح أو عيد القيامة، ورغم التشابه بين محافظات مصر في الإحتفال بعيد شم النسيم، إلا أن هناك اختلافات في الكثير من الطقوس والعادات، ففى الشرقية نجد في منيا القمح وخصوصا في الغنيمى وكوم حلين طقس المموكية والقفز فوق حفرة النار، وفى قرية الإخيوة بمركز الحسينية يتم الإستعداد قبل يوم شم النسيم بعشرة أيام في طقوس تشبه طقوس المولد الشعبى، وفى الواحات يعلق نبات الدميسة بجوار البصل الأخضر، وفى دمياط تصنع بيضة من الخشب وتلون بدقة، فنجد في مدن القناة ظاهرة حرق اللنبى وهي الدمية يوم شم النسيم، وجاءت الفكرة من الإسبان الذين يعملون مع الفرنسيين، وكان جزء من إسبانيا محتلا من فرنسا، وكان هؤلاء الإسبان يقيمون في الربيع طقسا اسمه لايس فايا وهذا الطقس كان في الأصل يقام في مدينة فالنسيا أو بالنسيا بالإسبانية.
وقد شاهد الوطنيون هذا الطقس لحرق دمية ديليسبس مؤسس الصراع الطبقى بين الوطنيين والأجانب، ورافع لواء السخرة، وتوالى الطقس بأخذ أشكال وأسماء أخرى لرموز القهر والاستعمار حتى عام ألف وتسعمائة وتسعة عشر من الميلاد وعندما انفجر بركان الغضب خلال ثورة عام ألف وتسعمائة وتسعة عشر من الميلاد حيث كان لبورسعيد نصيب من هذا الغضب، وخاصة أن أهل بورسعيد لم تتوقف مناوشاتهم أبدا مع الجاليات الأجنبية وقوات الاحتلال، ورغم أن اللورد اللنبى لم يكد يمضى على قدومه إلى مصر أسبوع واحد، إلا أنه كان نصيبه دمية شم النسيم لهذا العام، والتصق به هذا الطقس حتى الآن، وقام الوطنيون بعمل الدمية على شكل ضابط إنجليزى له ملامح اللنبى وعلقوها على صاري طويل وطافوا بها شوارع المدينة ثم أحرقوها، وانتقل الغضب البورسعيدى ليشمل مدن القناة الأخرى بل امتد حتى دمياط.
ويتم الإعداد لحرق دمية اللنبى قبل شم النسيم بأسبوع، وتقوم كل مجموعة من الشباب على مستوى كل حى بتنفيذ هيكل دمية اللنبى، وتخرج زفة اللنبى ويصاحبها الغناء باستخدام بعض الآلات الموسيقية، مثل الطبلة والرق والطار وآلة السمسمية وتعود الزفة إلى مكان بدئها حتى فجر يوم شم النسيم، وهى اللحظة التي يتم فيها حرق دمية اللنبى، ومن هذه المقاطع الغنائية في أثناء لحظة الحريق يا تربة يامّو بابين، وديتى اللنبى فين، وهي طقوس احتفالية عمرها يتجاوز أربعة ألاف وسبعمائة عام، تلك التي يمارسها المصريون إحتفاء بقدوم شم النسيم إذ بدأ الاحتفال به رسميا منذ نهاية الأسرة الثالثة في عام ألفان وسبعمائة قبل الميلاد، ليصبح بذلك العيد الشعبي الأقدم في مصر، وربما في التاريخ الإنساني بأكمله، وارتبطت تسمية شم النسيم، بالتقويم الزراعي المصري، فكلمة شمو تعني فصل الصيف.
وفقا لما أورده الدكتور عبد الحليم نور الدين، في كتابه اللغة المصرية القديمة، وأشار في كتابه أيضا، إلى أن المصري القديم قسّم العام إلى ثلاثة فصول ترتبط بالدورة الزراعية حيث تبدأ رأس السنة المصرية مع فصل الفيضان آخت الذي يوافق ظهور نجم الشعرى اليمانية، الذي يحدث في يوم التاسع عشر من شهر يوليو بتقويمنا الحالي، ثم يأتي فصل بذر البذور برت، الذي يبدأ في شهر نوفمبر، ويوافق ظهور الأرض بعد انحصار الفيضان، وفصل الصيف شمو الذي يبدأ في شهر مارس وينتهي في يوليو، وتعني كلمة شمو أيضا الحصاد، بحسب عالم المصريات وليم نظير، وقد رمز له بالعلامة الهيروغليفية عنخ، أي أنه فصل الحياة، وجاءت التسمية الحالية، من تحريف شمو إلى شم عبر السنين، وأضيفت إليها النسيم، في إشارة إلى اعتدال الجو، وقدوم الربيع.

