الإسلام الوسطي… رسالة عدلٍ ورحمة، لا دينُ ظلمٍ أو إكراه
حين تتكلم سماحة الإسلام بلسان القرآن، وتترجم أخلاق الرسول ﷺ عدالةً تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه
بقلم: محمد عطا القطيعي
ليس الإسلام كلمةً تُقال، ولا شعائرَ تُؤدَّى فحسب، ولا مظهرًا يُرى بالعين؛ بل هو عقيدةٌ تُهذِّب الروح، وشريعةٌ تُقيم العدل، وأخلاقٌ تصون الكرامة، ورسالةٌ إلهية تخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا، قبل أن تنظر إلى لونه أو عرقه أو لغته أو معتقده.
ولأن العالم كثيرًا ما يتعرّف إلى الأديان من خلال تصرفات بعض أتباعها، فإن من واجبنا أن نُعرِّف بالإسلام من منابعه الأصيلة: القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وسيرة رسول الله محمد ﷺ؛ الذي بعثه الله رحمةً للعالمين، وختم به النبوة والرسالة.
فما حقيقة الإسلام الوسطي؟ وما موقفه من الإنسان وحقوقه؟ وكيف يفهم المسلم العدل والرحمة والتعايش مع من يختلف معه في الدين؟
تلك أسئلة تستحق أن نجيب عنها بالحكمة والدليل، بعيدًا عن التعصب وسوء الفهم.
أولًا: ما الوسطية في الإسلام؟
الوسطية ليست تنازلًا عن الحق، ولا تمييعًا للعقيدة، ولا مساواةً بين العدل والظلم، وإنما هي منهجٌ يقوم على الاعتدال، والتوازن، والحكمة، وإعطاء كل ذي حق حقه، والابتعاد عن الغلو والتفريط.
وقد وصف الله أمة الإسلام بقوله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. [البقرة: 143]
والوسطية هنا ليست مجرد موقعٍ بين طرفين، بل هي مسؤولية أخلاقية وحضارية؛ أن يكون المسلم شاهدًا بالحق، قائمًا بالقسط، لا يحملُه الحب على المحاباة، ولا يدفعه الخلاف إلى الظلم، ولا تجعله القوة يتجاوز حدود الله.
فالإسلام لا يريد إنسانًا متشددًا يُضيّق على الناس باسم الدين، ولا إنسانًا متهاونًا يفرّط في المبادئ باسم التسامح؛ بل يريد إنسانًا يعرف حق الله، ويحفظ حق العباد، ويجمع بين قوة الإيمان ورحابة الخلق.
ومن هنا نفهم قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. [النساء: 135]
تأملوا عظمة هذا التوجيه!
فالحق في الإسلام لا يتغير لأن صاحبه قريب، ولا يسقط لأن صاحبه ضعيف، ولا يصبح باطلًا لأن خصمه قوي. والعدل لا يُفصَّل على مقاس الأهواء، بل يُقام ولو خالف مصلحة الإنسان الشخصية.
ثانيًا: الإسلام دينٌ يُهذِّب الحياة، وليس مجرد شعائر معزولة عنها
الإسلام دينٌ ينظّم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه وأسرته ومجتمعه، ويضع مبادئ تحكم المعاملات، وتحفظ الأموال، وتصون الأعراض، وتحمي الضعفاء، وتمنع الاعتداء.
فلا قيمة لعبادةٍ يدّعي صاحبها أثرها في قلبه، ثم يظلم بها الناس في معاملاته؛ لأن العبادة الحقة ينبغي أن تنعكس على السلوك، وأن تُثمر أمانةً ورحمةً واستقامة.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. [النحل: 90]
هذه الآية العظيمة تُلخّص جانبًا أصيلًا من رسالة الإسلام: عدلٌ يمنع الجور، وإحسانٌ يرتقي بالإنسان فوق مجرد أداء الواجب، ونهيٌ عن البغي والاعتداء.
أما وصف الإسلام بأنه دين ودولة، فينبغي فهمه على أن الإسلام يتضمن مبادئ دينية وأخلاقية وتشريعية تنظم شؤون المجتمع والحكم، وليس معناه أن كل تصرف يصدر عن دولة أو جماعة أو شخص ينتسب إلى الإسلام يصبح معصومًا من الخطأ.
فالإسلام يُقاس بمبادئه، ولا تُقاس صحة مبادئه بأخطاء بعض المنتسبين إليه.
والدولة العادلة، في المنظور الإسلامي، لا تستمد شرعيتها الأخلاقية من الشعارات وحدها، بل من حفظ الحقوق، وإقامة العدل، وصيانة الكرامة، ومنع الظلم عن كل إنسان.
ثالثًا: حقوق الإنسان في القرآن… العدل لا يسأل عن ديانة المظلوم
من أعظم ما ينبغي أن يعرفه العالم عن الإسلام أن العدل ليس امتيازًا خاصًا بالمسلمين، وأن الظلم لا يصبح مباحًا إذا وقع على إنسان يختلف معنا في الدين.
يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. [المائدة: 8]
أي لا يحملنّكم بغض قومٍ أو خلافكم معهم على ترك العدل.
وهذه قاعدة قرآنية بالغة العظمة؛ لأنها تضع الأخلاق فوق الانفعالات، والحق فوق الخصومة، والإنصاف فوق الكراهية.
فليس العدل أن تنصف صديقك وتظلم خصمك، بل العدل الحقيقي أن تعطي خصمك حقه ولو كنت تختلف معه، وأن تقول كلمة الحق ولو كانت على نفسك.
ويقول الله تعالى في شأن غير المسلمين الذين لا يقاتلون المسلمين ولا يعتدون عليهم:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. [الممتحنة: 8]
لاحظوا أن القرآن لم يكتفِ بالسماح بالعدل، بل ذكر البرَّ والقسط؛ والبر أوسع من مجرد الامتناع عن الأذى، إذ يشمل وجوهًا من الإحسان والمعاملة الطيبة.
فالمسلم مأمور بأن يتعامل بالعدل والإحسان مع غير المسلم المسالم، وأن يحفظ له حقوقه، وألا يعتدي عليه لمجرد اختلاف العقيدة.
وهذا لا يعني إلغاء الفروق العقدية بين الأديان، بل يعني أن الاختلاف في الاعتقاد لا يمنح أحدًا حق الاعتداء على الآخر.
فالاختلاف لا يُبيح الظلم، والاختلاف لا يُسقط الكرامة، والاختلاف لا يحوّل الإنسان إلى عدوٍّ لمجرد أنه يؤمن بما لا نؤمن به.
رابعًا: لا تزر وازرة وزر أخرى… مسؤولية الفرد أساس العدالة
من المبادئ القرآنية التي تكشف دقة العدالة في الإسلام قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. [الأنعام: 164]
ومعناها أن الإنسان لا يحمل إثم غيره، ولا يُحاسب على ذنب لم يرتكبه.
فلا يجوز أن يُحمَّل إنسان مسؤولية جريمة لمجرد أنه ينتمي إلى أسرة مرتكبها، أو إلى جماعته، أو إلى قومه، أو إلى دينه.
وإذا ارتكب مسلم جريمة، فالمسؤولية تقع على مرتكبها وفقًا للقانون والعدل، ولا يجوز اتخاذ فعل فرد ذريعةً لإدانة ملايين الأبرياء.
وكذلك إذا أساء شخص من غير المسلمين، فلا يجوز اتهام جميع أبناء دينه بالإساءة نفسها.
إنها قاعدة تمنع العقاب الجماعي، وتحارب التعميم الجائر، وتُرسّخ المسؤولية الفردية.
وفي هذا المعنى تتجلى حكمة التشريع؛ إذ لا يستقيم العدل إذا عوقب البريء بذنب المذنب، ولا يستقيم المجتمع إذا حُوِّل الانتماء إلى تهمة.
خامسًا: أخلاق الرسول ﷺ… حين تحوّل الوحي إلى سلوك
إذا أردنا أن نُعرّف العالم بأخلاق الإسلام، فإن أعظم نموذج نقدمه هو رسول الله محمد ﷺ؛ فقد كان القرآن منهج حياته، وكانت رحمته بالناس شاهدًا على حقيقة الرسالة.
قال الله تعالى في وصفه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. [القلم: 4]
وقال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: 107]
لم تكن رحمته محصورة في أصحاب المكانة أو أصحاب المصالح، بل ظهرت في تعامله مع الضعيف والفقير واليتيم، وفي عفوه عند المقدرة، وفي وفائه بالعهد، وفي رفضه للغدر والخيانة.
وقال رسول الله ﷺ:
«مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». متفق عليه.
وقال ﷺ:
«اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه مسلم.
وقال ﷺ:
«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». متفق عليه.
وهذه الأحاديث ترسم ملامح الشخصية المسلمة: رحمةٌ لا قسوة فيها، وأمانةٌ لا خيانة معها، ولسانٌ لا يتخذ الإيذاء وسيلة، ويدٌ لا تمتد إلى حقوق الآخرين.
ومن هديه ﷺ أيضًا ما رواه البخاري ومسلم في قصة المرأة التي حبست هرةً فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فاستحقت الوعيد بسبب قسوتها.
فإذا كان الإسلام يحذّر من تعذيب الحيوان، فكيف يرضى بظلم الإنسان أو الاعتداء على ماله وعرضه وكرامته؟
إن الأخلاق في الإسلام ليست زينةً إضافية، بل جزء أصيل من حقيقة التدين.
سادسًا: لا إكراه في الدين… فالإيمان لا يُولد بالعنف
قال الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. [البقرة: 256]
فالإيمان الحقيقي يقوم على الاقتناع، ولا يمكن أن يتحول الإكراه إلى يقين، ولا أن يصنع العنف محبةً صادقة لله.
ومن هنا يجب التمييز بين الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين الاعتداء على الناس أو إجبارهم على اعتناق الدين.
قال الله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. [النحل: 125]
فالدعوة ليست شتيمةً للمخالف، ولا سخريةً من معتقده، ولا انتقاصًا من إنسانيته؛ وإنما هي بيانٌ بالحجة، وحوارٌ بالحكمة، وأخلاقٌ تجعل صاحب الرسالة قدوةً فيما يدعو إليه.
وإذا كان المسلم يؤمن بأن الإسلام هو الحق، فإن من مقتضيات هذا الإيمان أن يُحسن عرض الحق، وأن يلتزم الأخلاق التي أمره بها دينه.
فليس من نصرة الإسلام أن نسيء إلى الناس باسمه، بل أن نجعلهم يرون من أخلاقنا ما يوافق عظمة تعاليمه.
سابعًا: الإسلام يصون الحقوق… حتى عندما يغيب أصحابها
من دلائل عظمة التشريع الإسلامي أنه لم يترك الحقوق رهينةً لقوة أصحابها، ولم يجعل حماية الحق مرتبطةً بحضور صاحبه أو قدرته على الدفاع عن نفسه.
فقد قرر القرآن تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. [البقرة: 188]
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾. [النساء: 58]
كما أرشد إلى توثيق الديون والمعاملات حفظًا للحقوق ومنعًا للنزاع، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. [البقرة: 282]
إنها منظومة تشريعية وأخلاقية لا تكتفي بمطالبة الإنسان بأن يكون طيب القلب، بل تدعوه إلى اتخاذ الأسباب التي تحفظ الحقوق وتمنع ضياعها.
فالمال أمانة، والعهد مسؤولية، والشهادة أمانة، والقضاء مسؤولية، وحقوق الغائب لا يجوز أن تصبح مباحةً لمجرد غيابه.
وإذا كان صاحب الحق ضعيفًا، وجب ألا تكون قلة حيلته سببًا في ضياع حقه. وإذا كان غائبًا، وجب ألا يتحول غيابه إلى فرصة للاعتداء عليه. وإذا كان عاجزًا عن المطالبة بحقه، فإن عجزه لا يجعل الباطل حقًا.
وهنا يلتقي الضمير الحي مع التشريع العادل؛ فكلاهما يرفض أن تُؤخذ الحقوق بالقوة أو تُسلب بالحيلة.
ثامنًا: هل الإسلام دين سلام مطلق أم دين يدافع عن الحقوق؟
الإجابة المنصفة أن الإسلام يدعو إلى السلام والبر والعدل، ويجيز القتال في أحوال مشروعة بضوابطه، ولا يجعل الاعتداء على الأبرياء أو استباحة حقوقهم أمرًا مباحًا.
قال الله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. [البقرة: 190]
فالآية تقرر مبدأً واضحًا: القتال ليس تفويضًا مفتوحًا للعدوان، بل تحكمه حدود تمنع التجاوز.
وقال سبحانه:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. [الأنفال: 61]
إن القوة في التصور الإسلامي ليست غايةً لذاتها، وإنما تُضبط بالحق والعدل، والسلام ليس ضعفًا، كما أن الحرب ليست مبررًا لإسقاط الأخلاق.
وقد شهد التاريخ الإسلامي صورًا متنوعة من التعايش والعهود والتعامل مع غير المسلمين، كما شهد وقائع وصراعات لا يصح إنكارها أو اختزالها في صورة واحدة. والإنصاف يقتضي أن نميّز بين أحكام الدين، وتطبيق البشر لها، والظروف التاريخية التي جرت فيها الأحداث.
فلا نبرر ظلمًا وقع باسم الإسلام، ولا نقبل في المقابل أن يُنسب إلى الإسلام كل ظلم ارتكبه شخص أو جماعة انتسبت إليه.
الميزان العادل أن نحاكم الأفعال إلى مبادئ الحق، لا أن نحاكم المبادئ إلى أخطاء البشر وحدها.
تاسعًا: ماذا نقول للعالم عن الإسلام الوسطي؟
نقول لكل إنسان، مسلمًا كان أو غير مسلم:
إن الإسلام الذي ندعو إليه لا يطلب منك أن تظلم لتنتصر، ولا أن تكذب لتحمي صورتك، ولا أن تهين المخالف لتثبت صحة رأيك.
إنه يدعوك إلى أن تكون صادقًا ولو خالفت الحقيقة مصلحتك، وعادلًا ولو كان خصمك لا يشبهك، ورحيمًا ولو امتلكت القدرة على الانتقام، وأمينًا ولو غاب الرقيب.
ونقول للمسلم خاصةً: لا تجعل من تدينك مبررًا للتعالي على الناس، ولا من اختلافك معهم ذريعةً لاحتقارهم؛ فالتواضع من مكارم الأخلاق، والعدل من أعظم الواجبات، وحسن المعاملة من دلائل الإيمان.
ونقول لغير المسلم: لا تحكم على دينٍ كامل من خلال سلوك فرد، ولا تكتفِ بما يُقال عنه في ساحات الخصومة؛ بل ارجع إلى نصوصه ومبادئه، واقرأ القرآن، وتعرّف إلى سيرة رسوله، ثم كوّن رأيك على أساس المعرفة والإنصاف.
فالحوار الصادق لا يخشى السؤال، والإيمان الواثق لا يحتاج إلى الإساءة، والحق لا يفقد قيمته لمجرد أن بعض الناس أساؤوا تطبيقه.
كلمة أخيرة: الإسلام الذي نريد أن يعرفه العالم
إن الإسلام الوسطي الذي نعتز به هو إسلام يجمع بين ثبات العقيدة وسعة الخلق، وبين العبادة والعمل، وبين حقوق الفرد ومسؤولياته، وبين العدل والرحمة، وبين حفظ الهوية واحترام الإنسان.
إسلامٌ لا يبيح الظلم باسم الدين، ولا يبرر الاعتداء باسم الغيرة، ولا يجعل الكراهية بديلًا عن الحجة، ولا يمنح الإنسان حق سلب حقوق غيره.
إسلامٌ يعلمنا أن الحق لا يتجزأ، وأن الأمانة لا تسقط بغياب صاحبها، وأن البراءة لا تُنقض بالانتماء، وأن الإنسان لا يُدان بذنب لم يرتكبه، وأن العدل واجب حتى مع من نختلف معه.
ولذلك فإن أعظم خدمة نقدمها للإسلام ليست في كثرة الشعارات التي نرفعها، بل في صدق المعاملة، ونزاهة الكلمة، وحفظ العهد، ورد المظالم، وإعطاء كل ذي حق حقه.
فإذا رأى العالم مسلمًا صادقًا في قوله، عادلًا في حكمه، رحيمًا في تعامله، أمينًا على حقوق الناس، أدرك أن وراء هذه الأخلاق رسالةً عظيمة تدعو إلى الخير.
وإذا أخطأ المسلم، فإن الواجب أن يُراجع نفسه ويصحح خطأه، لا أن يختبئ وراء اسم الدين ليبرر إساءته.
فالإسلام أكبر من أن تختزله جماعة، وأعظم من أن تشوّهه إساءة فرد، وأعدل من أن يقر ظلمًا، وأرحب من أن يمنع البر عن إنسان لمجرد اختلافه في الاعتقاد.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى أن يستعيد لغة الحكمة، وأن يجعل الحوار جسرًا بين الشعوب، وأن يُقدّم العدل على التعصب، والإنسانية على الكراهية، والحق على المصالح الضيقة.
قال الله تعالى:
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [الصافات: 180–182]
فالسلام على رسل الله الذين حملوا رسالات الهداية، والرحمة على كل قلبٍ يسعى إلى الخير، والعدل لكل مظلوم، والإنصاف لكل صاحب حق، والهداية لمن أراد أن يعرف الحقيقة بعيدًا عن الأهواء.
ذلك هو الإسلام الذي نؤمن به، والوسطية التي ندعو إليها، والرسالة التي نريد أن تصل إلى العالم: دينٌ يُقيم الحق، ويصون الكرامة، ويأمر بالعدل والإحسان، ويجعل الإنسان مسؤولًا عن فعله، لا عن ذنب غيره.
بقلم محمد عطا القطيعي
الإسلام الوسطي… رسالة عدلٍ ورحمة، لا دينُ ظلمٍ أو إكراه
حين تتكلم سماحة الإسلام بلسان القرآن، وتترجم أخلاق الرسول ﷺ عدالةً تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه

📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)