قرار الحكومة المصرية بمد مهلة توفيق أوضاع وتقنين إقامة الأجانب المقيمين بصورة غير شرعية لمدة عام إضافي، جاء في توقيت شديد الحساسية، وأعاد إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الشارع المصري: ملف الوجود الأجنبي والهجرة غير الشرعية والإقامة غير القانونية.
ففي الوقت الذي ترى فيه الحكومة أن تقنين الأوضاع ضرورة إدارية وأمنية لتنظيم وجود المقيمين على الأراضي المصرية، تتزايد أصوات مصرية تتساءل: لماذا كل هذه المهلات؟ ولماذا لا يتم التعامل بحسم مع من انتهت إقامته أو دخل البلاد بصورة غير قانونية؟
بل إن حالة الاعتراض لم تتوقف عند حدود الغضب الشعبي، وإنما امتدت ــ بحسب ما يتم تداوله من تحركات قانونية ــ إلى عدد من المحامين الذين لجأوا إلى القضاء اعتراضًا على منح مهلة جديدة، مطالبين بتطبيق القانون وترحيل من يثبت وجوده بصورة غير شرعية بدلًا من منحه عامًا إضافيًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
هل الدولة تمنح فرصة أخيرة لتنظيم الملف؟ أم أن كثرة تمديد المهلة أصبحت في حد ذاتها مشكلة تحتاج إلى مراجعة سياسية وقانونية؟
عامًا إضافيًا.. ولكن إلى متى؟
مجلس الوزراء وافق في 9 سبتمبر 2026 على مشروع قرار بمد فترة توفيق أوضاع وتقنين إقامة الأجانب المقيمين بصورة غير شرعية بنظام المستضيف لمدة عام إضافي، بعدما كان مقررًا انتهاء المهلة في 12 سبتمبر.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تمديد المهلة.
فقد سبق أن صدرت قرارات بمدها في 2023 و2024، ثم صدر قرار آخر في 2025 بمدها عامًا إضافيًا.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.
إذا كانت الدولة قد منحت أكثر من فرصة، فما الذي يمنع أن تتحول المهلة الجديدة إلى مهلة أخرى بعد عام؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحكومة بوضوح أمام الرأي العام.
الغضب الشعبي لا يمكن تجاهله
لا يمكن مطالبة المواطن المصري بالصمت عندما يشعر أن هناك أشخاصًا يقيمون داخل بلده دون أوراق قانونية أو دون وضع واضح.
ولا يمكن كذلك تجاهل المخاوف المتعلقة بسوق العمل، وأسعار الإيجارات، والضغط على الخدمات، والقدرة على حصر أعداد المقيمين، فضلًا عن المخاوف الأمنية المرتبطة بوجود أشخاص مجهولي الهوية أو الإقامة.
لكن في المقابل، يجب أن نقول الحقيقة كاملة:
ليس كل أجنبي مجرمًا، وليس كل لاجئ خطرًا، وليس كل من دخل مصر بصورة غير قانونية شخصًا ارتكب جريمة جنائية.
وهنا يجب الفصل بين ثلاثة ملفات:
المخالفة الإدارية.. والجريمة الجنائية.. واللجوء الإنساني.
فالذي ارتكب جريمة يجب أن يحاسب وفق القانون، والذي لا يملك إقامة قانونية يجب أن يصحح وضعه أو يواجه الإجراءات القانونية المقررة، أما من يتمتع بصفة لاجئ أو طالب لجوء فله إطار قانوني مختلف.
لماذا لا يتم الترحيل فورًا؟
هنا أصل القضية.
البعض يقول: من انتهت إقامته أو دخل البلاد بصورة غير قانونية يجب أن يغادر فورًا.
وقد يبدو الأمر بسيطًا من الناحية الشعبية، لكنه ليس بهذه البساطة من الناحية القانونية والتنفيذية.
الدولة تحتاج أولًا إلى تحديد الهوية والجنسية، والتحقق من الأوراق، وفحص الموقف الأمني، ومعرفة ما إذا كان الشخص مطلوبًا في قضية أو صدر بحقه حكم، والتأكد من الدولة التي يمكن ترحيله إليها، فضلًا عن الحالات التي قد تكون لها اعتبارات إنسانية أو قانونية خاصة.
لكن هذا لا يعني أن الإجراءات يجب أن تتحول إلى انتظار مفتوح.
التنظيم شيء.. والتساهل شيء آخر.
وماذا عن المحامين الذين يعترضون على القرار؟
إذا صح ما يتم تداوله عن إقامة عدد من المحامين دعاوى قضائية اعتراضًا على مد المهلة، فإن الأمر يستحق التوقف أمامه، ليس باعتباره صراعًا بين الحكومة والمحامين، وإنما باعتباره تعبيرًا عن سؤال دستوري وقانوني وسياسي مهم:
إلى أي مدى يجوز للسلطة التنفيذية الاستمرار في منح مهلة لتقنين أوضاع مخالفي الإقامة؟
القضاء في النهاية هو صاحب الكلمة الفصل في أي نزاع قانوني، وليس الغضب الشعبي ولا المقالات الصحفية.
ولكن مجرد وصول الاعتراض إلى ساحات القضاء يعكس أن القضية لم تعد مجرد قرار إداري عابر، وإنما أصبحت قضية رأي عام.
الحكومة أمام اختبار حقيقي
أنا شخصيًا أرى أن مد المهلة لعام إضافي يمكن أن يكون مفهومًا إذا كان الهدف هو الحصر الكامل والتدقيق الأمني وتقنين الأوضاع.
لكن بشرط واحد:
أن يكون هذا العام هو عام الحسم، وليس عام التأجيل.
يجب أن تخرج الدولة في نهاية العام بقاعدة واضحة:
من استوفى الشروط القانونية يستمر.
من لم يستوفِ الشروط يتخذ بحقه الإجراء القانوني المناسب.
من ارتكب جريمة يحاسب.
من ثبت أن وجوده يمثل خطرًا على الأمن العام تتخذ بشأنه الإجراءات القانونية.
ومن لا يملك أي سند قانوني للبقاء في مصر، فلا ينبغي أن تتحول المخالفة إلى إقامة دائمة بحكم الأمر الواقع.
مصر ليست ضد الأجانب.. مصر ضد الفوضى
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
مصر دولة عريقة استقبلت على مدار تاريخها شعوبًا من مختلف أنحاء العالم.
لكن استقبال الإنسان شيء، وترك الحدود والهوية والإقامة بلا رقابة شيء آخر.
نحن لا نريد مصر دولة مغلقة أمام أحد، ولكننا نريدها دولة ذات سيادة.
لا نريد ظلم إنسان بسبب جنسيته، ولكننا أيضًا لا نقبل أن تتحول الجنسية الأجنبية إلى حصانة من القانون.
ولا نريد طرد إنسان لمجرد أنه أجنبي، لكننا نريد تطبيق القانون على كل من يعيش على أرض مصر، دون استثناء.
السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحكومة
بعد سنوات من تمديد مهلة توفيق الأوضاع، وبعد أن أصبح الملف محل نقاش شعبي وقانوني، أعتقد أن الحكومة مطالبة بتقديم إجابة واضحة:
كم عدد من تم تقنين أوضاعهم بالفعل؟
وكم عدد الذين ما زالوا يقيمون بصورة غير قانونية؟
وكم عدد الذين تم ترحيلهم لمخالفة قوانين الإقامة؟
وكم عدد من ثبت تورطهم في جرائم وتم اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم؟
وماذا سيحدث لمن يرفض توفيق أوضاعه بعد انتهاء العام الجديد؟
هذه المعلومات ليست ترفًا إعلاميًا.
إنها حق للمجتمع الذي يريد أن يعرف كيف تدير دولته واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الوقت الراهن.
وأخيرًا..
أنا مع الدولة في تنظيم ملف الأجانب، ومع احترام حقوق الإنسان، ومع منح الفرصة لمن يريد تصحيح وضعه والعيش في مصر بصورة قانونية.
لكنني في الوقت نفسه مع الحسم الكامل مع المخالفين والخارجين على القانون.
فالرحمة لا تعني الفوضى.
والإنسانية لا تعني إلغاء القانون.
والاستضافة لا تعني الإقامة إلى ما لا نهاية.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر المواطن المصري بأن القانون شديد على المواطن، بينما توجد استثناءات مستمرة لغيره.
مصر تحتاج إلى سياسة واضحة: لا عنصرية فيها، ولا فوضى، ولا مجاملة، ولا حصانة لأحد.
ومن هنا فإن العام الجديد يجب ألا يكون مجرد عام إضافي في سلسلة من المواعيد المؤجلة.
بل يجب أن يكون:
عام الفرز.. وعام التدقيق.. وعام الحسم.
فمن يريد أن يعيش في مصر بصورة قانونية، أهلًا وسهلًا به.
ومن يريد احترام قوانينها، فمصر تفتح أبوابها للجميع.
أما من يصر على مخالفة القانون أو ارتكاب الجرائم أو البقاء بصورة غير شرعية بعد انتهاء المهلة، فهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
القانون المصري فوق الجميع.. ولا جنسية فوق القانون

