الرئيسية » الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : 250 ألف دولار تكفي لتصبح مصريا”؟.. فمن يحدد قيمة الجنسية المصرية؟
مقالات

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : 250 ألف دولار تكفي لتصبح مصريا”؟.. فمن يحدد قيمة الجنسية المصرية؟

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : 250 ألف دولار تكفي لتصبح مصريا"؟.. فمن يحدد قيمة الجنسية المصرية؟

هل أصبحت الجنسية المصرية طريقا” يمكن أن يبدأ من البنك وينتهي بجواز سفر؟
وهل يمكن أن يصبح المال وحده أحد مفاتيح الحصول على جنسية دولة بحجم ومكانة مصر؟

قد يبدو السؤال صادما”، وربما يرفضه البعض من الوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة سؤال مشروع يجب أن يطرح بكل صراحة على الحكومة والبرلمان والرأي العام، خصوصًا في ظل وجود برنامج رسمي يمنح الأجانب إمكانية التقدم للحصول على الجنسية المصرية من خلال الاستثمار، ومن بين مساراته إيداع مبلغ 250 ألف دولار كإيراد مباشر غير مسترد للخزانة العامة، إلى جانب مسارات أخرى ترتبط بشراء العقارات أو الودائع أو المشروعات الاستثمارية وفق الضوابط القانونية.

وهنا لا أتحدث عن مخالفة للقانون، ولا أتهم الدولة بأنها تمنح الجنسية بلا فحص أو رقابة. فهناك إجراءات رسمية و فحوص أمنية ومالية، والقرار النهائي يخضع للسلطة المختصة. لكن القضية التي تستحق النقاش أعمق من ذلك بكثير.

القضية ببساطة هي : هل يجوز أن تتحول الجنسية المصرية إلى مسار استثماري يمكن اختصاره في قدرة شخص ما على دفع مبلغ محدد من المال؟

أنا لست ضد الاستثمار الأجنبي، بل أرى أن مصر في حاجة شديدة إلى الاستثمار الجاد، وإلى العملة الأجنبية، وإلى رجال الأعمال الذين يستطيعون إقامة المصانع والمشروعات وتوفير فرص العمل ونقل التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة أمام الاقتصاد المصري. ولكن هناك فارقا” هائلا” بين أن تمنح الدولة المستثمر مزايا وتسهيلات وإقامة طويلة وفق القانون، وبين أن تصبح الجنسية نفسها جزءًا من حزمة استثمارية يمكن الوصول إليها عبر دفع مبلغ مالي.

فالجنسية ليست شقة يمكن شراؤها، وليست شركة يمكن تأسيسها، وليست وديعة مصرفية، وليست تصريح إقامة. و ليست سلعة تباع و تشترى فى السوق !!!

الجنسية علاقة قانونية وسياسية ووطنية بين الإنسان والدولة، ومن خلالها يصبح الإنسان جزءًا من مجتمع كامل، ويحمل اسم الدولة وجواز سفرها، و تترتب له حقوق وعليه واجبات، وقد تمتد آثارها إلى أبنائه وأسرته وفقًا للقانون.

وهنا يظهر السؤال الأصعب: هل يمكن أن نحدد سعرا” للانتماء؟

إذا كان مبلغ 250 ألف دولار يمثل أحد المسارات القانونية للحصول على الجنسية، فمن حق المواطن أن يسأل: لماذا هذا الرقم تحديدا”؟ ومن الذي يحدد قيمة الجنسية؟
وهل يمكن أن يصبح الرقم غدًا 100 ألف دولار إذا احتاجت الدولة إلى مزيد من العملة الأجنبية؟ أو 500 ألف دولار إذا تغيرت الظروف الاقتصادية؟

وهل قيمة المواطن المصري الذي ولد على أرض مصر، وعاش أجداده فيها، ودافعوا عنها، وعملوا ودفعوا الضرائب وتحملوا أزماتها و حروبها، يمكن أن تقاس بتحويل بنكي؟

بالطبع لا.

المواطن المصري لم يشترى جنسيته.

لقد ولد بها، وحمل تاريخها، و انتمى إليها قبل أن يعرف معنى المال أو الاستثمار.

ومن هنا فإن الحكومة، وهي تدافع عن برنامج الجنسية مقابل الاستثمار باعتباره وسيلة لجذب رؤوس الأموال والعملات الأجنبية، لديها منطق اقتصادي مفهوم. ولكن المواطن أيضًا لديه منطق وطني لا يمكن تجاهله.

فمصر ليست مجرد سوق استثمارية.

مصر دولة ذات تاريخ وحضارة وهوية وثقل سياسي و جغرافي وأمني هائل، والجنسية المصرية ليست مجرد وثيقة سفر، و انما تمثل علاقة قانونية و سيادية مع الدولة.

ولذلك فإن القضية لا يجب أن تختصر في السؤال: كم من الأموال دخلت إلى الخزانة العامة؟

بل يجب أن نطرح سؤالا” أكبر: ماذا أضاف هؤلاء الذين حصلوا أو يسعون للحصول على الجنسية إلى مصر؟

هل أقاموا مصانع حقيقية؟
هل وفروا فرص عمل للمصريين؟
هل نقلوا تكنولوجيا وخبرات جديدة؟
هل ساهموا في زيادة الصادرات؟
هل دخلوا في قطاعات استراتيجية تحتاج إليها الدولة؟

أم أن الأمر يمكن أن ينتهي بمجرد تحويل الأموال والحصول على الجنسية ثم مغادرة البلاد أو الاحتفاظ بها باعتبارها وثيقة إضافية؟

إذا كان الهدف هو الاستثمار، فيجب أن يكون معيار الدولة هو قيمة الاستثمار الحقيقي وتأثيره في الاقتصاد المصري، وليس فقط قدرة الشخص على تحويل مبلغ من المال.

وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي الأمن القومي.

صحيح أن برامج التجنس بالاستثمار تخضع لفحوص أمنية وإجراءات رسمية، وهذا أمر ضروري، لكنني أرى أن الفحص يجب ألا يتوقف عند مصدر الأموال والسجل الجنائي فقط.

يجب أن تعرف الدولة بدقة من هو الشخص الذي يطلب منها أن يصبح مواطناً مصريا” .
ما تاريخه؟
ما علاقاته؟
ما نشاطه الاقتصادي؟
هل له ارتباطات سياسية أو أمنية خارجية؟
هل توجد حوله شبهات مالية؟
هل سبق تورطه في قضايا دولية؟
هل يمثل إضافة حقيقية لمصر؟
وهل من مصلحة الدولة أن تمنحه الجنسية؟

هذه ليست أسئلة عدائية، و إنما أسئلة أمن قومي، حتى لا يتسلل اعداء الوطن الى داخله .

فقد يكون المال قانونيا” ومصدره مشروعا”، وقد ينجح صاحبه في اجتياز الفحوصات، ولكن يبقى سؤال آخر يجب أن تطرحه الدولة: هل هذا الشخص يستحق أن يصبح مواطناً مصريا”، أم أنه مجرد مستثمر يريد الحصول على جواز سفر جديد؟ او مجرد عميل ، دخيل يحاول التغلغل الى داخل عصب الوطن و الارض و الشعب !!!

وهنا أعتقد أن على الحكومة أن تقدم للرأي العام قدرا” أكبر من الشفافية.

من حق المواطن أن يعرف كم شخصًا حصل على الجنسية المصرية من خلال الاستثمار، وما حجم الأموال التي دخلت الدولة بالفعل، وكم مشروعا” حقيقيا” تم إنشاؤه، وكم فرصة عمل تم توفيرها، وكم طلبا” تم رفضه لأسباب أمنية أو قانونية، وما هي المعايير التي تم على أساسها قبول الطلبات.

هذه ليست أسئلة تدخلا” في اختصاص الدولة، و انما هي أسئلة مشروعة تتعلق بجنسية دولة بأكملها.

والحقيقة أن هناك فارقا” كبيرًا بين جذب المستثمر الأجنبي وبين بيع الجنسية.

يمكن لمصر أن تمنح المستثمر إقامة طويلة، ويمكن أن تقدم له التسهيلات والحوافز، ويمكن أن تساعده في تأسيس الشركات وامتلاك الأصول وفق القانون، ويمكن أن تجعل السوق المصرية جاذبة له دون أن تكون الجنسية هي المقابل المباشر أو الأساسي لاستثماراته .

بل إنني أرى أن الدولة تستطيع تطوير هذا البرنامج بحيث يصبح الاستثمار الحقيقي هو العامل الأهم، وليس مجرد دفع مبلغ مالي.

فالمستثمر الذي ينشئ مصنعا ويشغل آلاف المصريين، ويصدر المنتجات إلى الخارج، وينقل التكنولوجيا، ويضع مصر على خريطة الإنتاج العالمي، ليس مثل شخص يملك المال فقط.

الأول يقدم قيمة حقيقية للاقتصاد والمجتمع، أما الثاني فلا نعرف ماذا سيقدم سوى قدرته المالية.

ومن هنا يجب أن تكون الجنسية، إن منحت في إطار الاستثمار، مرتبطة بمعايير أكثر صرامة و وضوحا”، تجعل الحصول عليها نتيجة لمساهمة حقيقية ومستدامة في الدولة، وليس مجرد استيفاء رقم مالي.

و أقولها بوضوح: أنا لست ضد الأجانب، ولست ضد المستثمرين، ولست ضد منح الجنسية وفق القانون.

لكنني ضد أن يشعر المواطن المصري بأن جنسيته التي ورثها عن آبائه وأجداده أصبحت متاحة لمن يستطيع دفع ثمنها.

نحن لا نريد عنصرية ضد أي جنسية، ولا نريد خطاب كراهية ضد المستثمرين، ولا نريد إغلاق أبواب مصر أمام أصحاب رؤوس الأموال.

لكننا في الوقت نفسه لا نريد سذاجة سياسية.

لا عنصرية.. ولكن لا سذاجة.

لا نرفض المستثمر، ولكن لا ينبغي أن يكون المال وحده معيارا” للحصول على المواطنة.

لا نغلق أبواب مصر، ولكن لا ينبغي أن نفتح أبواب الجنسية لمجرد أن شخصًا يمتلك حسابًا مصرفيا” كبيرًا.

فالاقتصاد يمكن أن يتغير، والأزمات يمكن أن تنتهي، والعملات الأجنبية يمكن أن تتوافر، والاستثمارات يمكن أن تزيد أو تنخفض، لكن قيمة الجنسية إذا تم اختزالها في المال قد يكون من الصعب إعادة بناء معناها في وجدان المواطن.

ولهذا فإنني أطالب الحكومة بأن تفتح حوارا” مجتمعيا” وسياسيا” حقيقيا” حول مستقبل برنامج الجنسية بالاستثمار، وأن تعلن للرأي العام أرقامه ونتائجه بشفافية، وأن ترفع معايير التدقيق المالي و الأمني، وأن تجعل حجم الاستثمار الحقيقي وتأثيره في الاقتصاد المصري عنصرا” أساسياً في تقييم أي طلب.

فمصر تستطيع أن تجذب المستثمر بكل الوسائل.

يمكنها أن تمنحه الأرض، والإقامة، والتسهيلات، والحوافز الاستثمارية، وأن توفر له بيئة اقتصادية جاذبة.

لكن يجب أن يظل هناك خط فاصل واضح بين الاستثمار في مصر والمواطنة المصرية.

فالمصرية ليست رقما” في حساب بنكي.

وليست عقارا” مسجلاً.
وليست شركة.
وليست وديعة.
المصرية تاريخ.. وهوية.. وانتماء.. وحقوق وواجبات.. وسيادة دولة.

ومن حق الدولة أن تبحث عن مواردها و استثماراتها، ومن حقها أن تستخدم أدوات اقتصادية حديثة لجذب رؤوس الأموال، لكن من حق الشعب أيضًا أن يسأل بكل صراحة :

كم تساوي الجنسية المصرية؟
والسؤال الأهم :
من يملك حق تحديد قيمتها ؟؟الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : 250 ألف دولار تكفي لتصبح مصريا"؟.. فمن يحدد قيمة الجنسية المصرية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *