الرئيسيةاخبارالتغير المناخي في العالم العربي: بين خط المواجهة وفرصة التحول
اخبار

التغير المناخي في العالم العربي: بين خط المواجهة وفرصة التحول

التغير المناخي في العالم العربي: بين خط المواجهة وفرصة التحول

التغير المناخي في العالم العربي: بين خط المواجهة وفرصة التحول

بقلم المستشار بطل هلال

 

العالم العربي يقف اليوم على خط المواجهة الأول مع التغير المناخي. ليس لأنه الأكثر تسبباً في الانبعاثات، بل لأنه الأكثر عرضة لتداعياتها. من دلتا النيل إلى الخليج، ومن المغرب إلى المشرق، الخرائط المناخية الجديدة تعيد رسم معادلات الأمن المائي، الغذائي، وحتى السياسي في المنطقة.

 

*منطقة عطشى في عالم يحترق*

 

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم جفافاً. نصيب الفرد من المياه العذبة هنا أقل من 600 متر مكعب سنوياً، أي أقل من ربع المتوسط العالمي. ومع ارتفاع الحرارة، تزداد معدلات التبخر، وتتراجع الأمطار في مناطق تعتمد أصلاً على أمطار شحيحة.

 

التقرير الأخير للهيئة الحكومية للتغير المناخي IPCC يشير إلى أن المنطقة ستشهد ارتفاعاً في الحرارة أسرع من المتوسط العالمي بنحو 20%. هذا يعني موجات حر تتجاوز 50 درجة مئوية لفترات أطول، وجفافاً يهدد الزراعة المروية التي يعتمد عليها أكثر من 60 مليون عربي في معيشتهم.

 

دلتا النيل نموذج صارخ. 40 مليون إنسان يعيشون على أرض لا ترتفع أكثر من مترين عن سطح البحر. مع كل سنتيمتر يرتفع فيه منسوب البحر، تخسر مصر أراضي زراعية، وتتسرب المياه المالحة إلى التربة والمياه الجوفية. الإسكندرية، ثاني أكبر مدينة مصرية، مهددة بفقدان أجزاء من أحيائها الساحلية قبل نهاية القرن إذا استمر السيناريو الحالي.

 

*الخليج: الثروة في مواجهة الحرارة*

 

دول الخليج تمتلك الثروة لكنها تواجه عدواً من نوع مختلف: الحرارة الرطبة. دراسات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حذرت أن بعض مدن الخليج قد تصل إلى عتبات حرارة ورطوبة تجعل البقاء في الخارج دون تكييف مستحيلاً لساعات. 

 

المفارقة أن هذه الدول هي منتج رئيسي للطاقة، لكنها أيضاً من أوائل المستثمرين في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر. السعودية والإمارات وقطر أعلنت مشاريع بمليارات الدولارات للتحول نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النفط. الدافع ليس بيئياً فقط، بل اقتصادي واستراتيجي: تنويع الدخل قبل أن يفرض السوق التنويع غصباً.

 

*المشرق والمغرب: الهجرة المناخية على الأبواب*

 

في المشرق، الجفاف المتكرر في سوريا والعراق والأردن فاقم أزمات المياه، وساهم في نزوح ملايين من الريف إلى المدينة. في المغرب العربي، تراجع تساقط الأمطار أثر على إنتاج الحبوب، ورفع فاتورة الاستيراد، وضغط على العملة والميزانية.

 

هنا يتحول التغير المناخي من قضية بيئية إلى محفز للنزوح والاستقرار السياسي. البنك الدولي يقدر أن المنطقة قد تشهد 17 مليون “مهاجر مناخي” داخلياً بحلول 2050 إذا لم تتخذ إجراءات تكيف جادة.

 

*لماذا العالم العربي متأخر؟ ولماذا قد يتقدم؟*

 

التأخر له أسباب مفهومة: الاعتماد على الوقود الأحفوري، أولوية إعادة الإعمار والتنمية على المدى القصير، وضعف آليات تمويل التكيف. لكن هناك أيضاً ميزة نسبية. الشمس هنا لا تغيب. الصحراء العربية يمكن أن تكون مزرعة للطاقة الشمسية تكفي القارة بأكملها. الرياح في البحر الأحمر والمحيط الأطلسي قوية ومستقرة.

 

مشاريع مثل “محمد بن راشد للطاقة الشمسية” في دبي، و”نيوم” في السعودية، ومشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية، كلها تشير إلى أن المنطقة بدأت ترى في المناخ فرصة استثمارية، لا مجرد تهديد.

 

*دور العالم العربي في المعادلة العالمية*

 

عربياً، المسؤولية مزدوجة. من جهة، المنطقة منتجة رئيسية للنفط والغاز، وبالتالي جزء من المشكلة. من جهة أخرى، لديها نفوذ دبلوماسي ومالي يمكن أن يوجهه نحو تمويل التكيف في الدول الأفريقية والآسيوية الأكثر فقراً.

 

مؤتمر COP27 في شرم الشيخ ومؤتمر COP28 في دبي نقلا النقاش من قاعات العلماء إلى طاولات وزراء المالية والاستثمار. لأول مرة، الحديث عن “الخسائر والأضرار” و”تمويل التكيف” أصبح بنفس أهمية الحديث عن خفض الانبعاثات.

 

*الخلاصة: من ضحية إلى لاعب*

 

التغير المناخي في العالم العربي ليس سيناريو مستقبلي. هو واقع يؤثر على سعر الخبز، على استقرار المدن، وعلى قرارات الشباب بالبقاء أو الرحيل.

 

لكن القصة لا تنتهي عند التهديد. المنطقة لديها ما يكفي من الشمس، والمال، والقدرة البشرية لتصبح مصدراً للطاقة النظيفة للعالم. التحول سيكلف، لكن كلفة اللا-تحرك أعلى بكثير.

 

السؤال الآن ليس: هل سنتأثر؟  

السؤال هو: هل سنتحرك بسرعة كافية لنحول الأزمة إلى فرصة، وننتقل من موقع الضحية إلى موقع اللاعب في الاقتصاد الأخضر العالمي؟

التغير المناخي في العالم العربي: بين خط المواجهة وفرصة التحول

التاريخ العربي لم يُكتب بالانتظار. ولا يبدو أن كتاب المناخ سيكتب بطريقة مختلفة.

التغير المناخي في العالم العربي: بين خط المواجهة وفرصة التحول

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *