الرئيسيةمقالاتالجهل … العدو الأول للإنسان في ثلاثية الأعداء الأزلية
مقالات

الجهل … العدو الأول للإنسان في ثلاثية الأعداء الأزلية

هنا نابل: بقلم المعز غَنِـي

الجهل … العدو الأول للإنسان في ثلاثية الأعداء الأزلية

 

منذ أن وطئت قدما الإنسان هذه الأرض ، وهو يخوض معركةً متواصلة ضد ثلاثة أعداء رافقوه عبر العصور والأزمان : الجهل والمرض والفقر . وهي أعداء تختلف في صورها وأشكالها ، لكنها تتفق جميعًا في أنها تعيق تقدّم الإنسان وتحدّ من قدرته على تحقيق حياة كريمة وآمنة .

 

غير أنّ التأمل العميق في هذه الثلاثية يقودنا إلى حقيقة بالغة الأهمية ، وهي أن الجهل ليس مجرد عدو من بين الأعداء الثلاثة ، بل هو أصل كثير من الشرور ومنبع أغلب المعاناة الإنسانية . فالمرض قد يكون نتيجة أسباب طبيعية أو وراثية أو بيئية ، والفقر قد ينشأ عن ظروف إقتصادية أو إجتماعية متعددة ، لكن الجهل غالبًا ما يكون الوقود الذي يزيد من إشتعال هذين العدوين ويمنحهما القدرة على التوسع والإنتشار .

 

فالإنسان الجاهل قد يسيء إلى صحته دون أن يدري ، وقد يهمل أسباب الوقاية والعلاج ، فيتحول المرض البسيط إلى معاناة طويلة الأمد .

أما الإنسان المتعلم فإنه يمتلك من المعرفة ما يساعده على فهم جسده ، وعلى أتباع السلوكيات الصحية السليمة ، وعلى الإستفادة من منجزات الطب والعلم .

لذلك يمكن القول إن الجهل كان وما يزال مسؤولًا عن جزء كبير من الأمراض التي تصيب المجتمعات ، ليس لأنه يخلق المرض ، بل لأنه يفتح له الأبواب ويمنحه فرصة التغلغل والإنتشار .

 

أما الفقر أو الإحتياج ، فإن العلاقة بينه وبين الجهل أوضح من أن تحتاج إلى برهان .

فالعلم يفتح آفاق العمل والإبداع والإنتاج ، بينما يغلق الجهل أمام صاحبه كثيرًا من فرص النجاح والتقدم ، وقد أثبتت تجارب الأمم أن الإستثمار في التعليم والمعرفة هو الطريق الأقصر لمحاربة الفقر وتحقيق التنمية والازدهار .

 

وصحيح أن المرض قد يصيب الجميع ؛ العالم والجاهل ، والغني والفقير ، وصحيح كذلك أن الأمراض اليوم تبدو أكثر عددًا وتعقيدًا مما كانت عليه في الماضي ، أو لعل معرفتنا العلمية أصبحت أوسع فأصبحنا نكتشف ما كان خافيًا عن أسلافنا .

فهذه أمور تحتمل النقاش والإختلاف ، ولا يمكن الجزم فيها بيقين مطلق .

 

لكن الحقيقة التي لا يكاد يختلف حولها اثنان هي أن الجهل يبقى أخطر ما يواجه الإنسان ، لأنه لا يهدد الجسد فحسب ، بل يهدد العقل الذي به يميز الإنسان بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، وبين التقدم والتخلف .

فالمرض قد يضعف الجسد ، والفقر قد يرهق المعيشة ، أما الجهل فإنه يعطل الفكر ويطفئ نور البصيرة ويمنع الإنسان من إدراك إمكاناته الحقيقية .

 

ولعل من أعظم الدلالات على مكانة العلم في الإسلام أن أول ما نزل من الوحي على رسول الله ﷺ لم يكن أمرًا بالصلاة أو الصيام أو غيرهما من العبادات ، بل كان أمرًا بالقراءة والعلم :

 

﴿أقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

 

فكانت هذه الآية الكريمة إعلانًا ربانيًا بأن طريق النهضة يبدأ من المعرفة ، وأن بناء الإنسان يبدأ من تحرير عقله من ظلمات الجهل . ثم جاءت آيات كثيرة تدعو إلى التفكر والتدبر والنظر في خلق الله وآياته في الكون ، وكأن الرسالة الإلهية أرادت أن تؤكد أن الإيمان الحق لا ينفصل عن العلم ، وأن العقل المستنير هو السبيل إلى فهم الحياة وإعمار الأرض .

 

ولذلك لم يكن غريبًا أن يقول الله تعالى :

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

فالعلم يرفع الإنسان درجات ، ويمنحه القدرة على الفهم والإدراك ، ويجعله أكثر قربًا من الحكمة وأكثر وعيًا بحقائق الوجود .

 

إن معركة الإنسان الحقيقية ليست ضد المرض وحده ، ولا ضد الفقر وحده ، بل ضد الجهل الذي يقف خلف كثير من الأزمات والمعاناة .

فإذا أنتصر الإنسان على الجهل بالعلم والمعرفة والتفكير السليم ، أصبح أقدر على مواجهة المرض ، وأكثر قدرة على مقاومة الفقر ، وأقرب إلى بناء حياة يسودها التقدم والكرامة والوعي .

 

ويبقى العلم نورًا لا ينطفئ ، وسلاحًا لا يصدأ ، وطريقًا لا يضل سالكه ما دام يبتغي به الخير والنفع للناس .

 

بقلم المعز غني

عاشق الترحال وروح الاكتشاف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *