الجَمْرُ فِي زَوَايَا الصَّمْتِ
________
أَخْوَفُ مَا تَلْقَاهُ فِي سَاحِ العَمَلْ
لَا صَرْخَةٌ تُدْمِي، وَلَا سَوْطُ العَذَلْ
لَيْسَ الوَعِيدُ إِذَا تَمَادَى جَلْدُهُ
يُفْزِعُ قَلْبًا، لَا المَلَامُ إِذَا عَجِلْ
بَلْ أَنْ تَكُونَ ضِيَاءَهُمْ، لَكِنَّهُمْ
نَسُوكَ عِنْدَ البَابِ: لَا حَبْلٌ وُصِلْ
تَجْرِي الغُيُوثُ إِلَى البَرَايَا حُرَّةً
وَيَمُوتُ فِي كَفَّيْكَ غَيْثُ المُبْتَهِلْ
تَبْدُو كَأَرْضٍ أَجْدَبَتْ فِي مَوْسِمٍ
خِصْبٍ، وَكُلُّ النَّاسِ مِنْ نَدْبٍ ثَمِلْ
يَدْنُو النَّدَى مِنْ رَاحَتَيْكَ وَلَا يَبُلُّ
شَفَةً، وَكَأْسُ القَوْمِ دُونَكَ مُقْتَفَلْ
تَخْبُو المَصَابِيحُ إِذَا لَاحَ سَنَاكَ
كَاللَّيْلِ يَفْزَعُ حِينَ يَسْطَعُ مُشْتَعِلْ
تَمْضِي الرِّفَاقُ إِلَى الغَدِ المَرْجُوِّ رَكْضًا
تَبْقَى كَنَقْشٍ فِي الجِدَارِ إِذَا انْمَحَلْ
وَالحَرْفُ فِي فَمِكَ المُكَمَّمِ خَاتَمٌ
ذَابَ الحَدِيدُ، وَظَلَّ إِصْبَعُكَ الثَّقَلْ
فَإِذَا طَلَبْتَ بَيَانَهُمْ أَلْفَيْتَهُمْ
قَالُوا بِمَكْرٍ: ذَاكَ وَهْمٌ مُفْتَعَلْ
وَالجُرْحُ تُخْفِيهِ العُيُونُ وَأَنْتَ تَدْرِي
أَنَّ الصَّدَى فِي الصَّدْرِ مَا زَالَ احْتَفَلْ
جُرْحُ السُّيُوفِ يَرَاهُ كُلُّ النَّاسِ جَهْرًا
وَجُرُوحُ كِتْمَانِ المَوَدَّةِ لَا تُطَلّْ
فَتَؤُوبُ لِلدَّارِ الَّتِي شَابَتْ وَتَسْأَلْ:
هَلْ كَانَ ذَنْبِي أَنَّنِي أَمْضِي العَمَلْ؟
أَمْ أَنَّ نُورِي حِينَ لَاحَ أَضَاءَ لَيْلَهُمْ
فَرَأَوْا عُيُوبَهُمُ، فَهَابُوا المُشْتَعَلْ؟
فَتُجِيبُكَ المِرْآةُ هَمْسًا، ثُمَّ تَعْلُو
حَتَّى تُزَلْزِلَ مَا تَبَقَّى مِنْ وَجَلْ:
“بَلْ لِأَنَّكَ كُنْتَ مِرْآتًا تَجَلَّى
فِيكَ الخَلَلْ… فَانْكَسَرْتَ لِيَكْتَمِلْ”
هُنَا تَكَسَّرَ فِي الحَنَايَا كُلُّ حُلْمٍ
وَاسْتَيْقَظَتْ فِي القَلْبِ دَهْشَتُهُ الأَجَلّْ
فَاسْتَفْحَلَ الحُزْنُ المُعَتَّقُ فِي الحَشَايَا
وَغَدَا لَهُ اسْمٌ، وَارْتَقَى حَتَّى اكْتَمَلْ
لَكِنْ… عَلَى حَافَةِ الرَّمَادِ تَلَفَّتَ القَلْبُ
فَأَبْصَرَ فِي انْكِسَارِ الضَّوْءِ ظِلًّا يَرْتَجِلْ
أَدْرَكَ أَنَّ المِرْآةَ إِنْ كَسَرَتْكَ يَوْمًا
فَلِأَنَّ وَجْهَ الحَقِّ فِي عَيْنَيْكَ ظَلّْ
رُوَيْدَكَ… إِنَّ العَزْمَ إِنْ ذَبُلَ بِكَفَّيْكَ
فَالجَذْرُ حَيٌّ تَحْتَ صَمْتِكَ لَمْ يَزَلْ
فَتَصِيرُ بَعْدَ الوَهْجِ جَمْرًا فِي زَوَايَا
الصَّمْتِ… وَالصَّوْتُ الخَفِيضُ هُوَ الأَجَلّْ
تُحْصِي حُرُوفَكَ قَبْلَ نُطْقِكَ أَلْفَ مَرَّةٍ
ثُمَّ تَقُولُ الحَقَّ، وَالخَوْفُ اضْمَحَلّْ
________
بقلمى/ عادل عطيه سعده
الجَمْرُ فِي زَوَايَا الصَّمْتِ

