الرئيسيةمقالاتبين فضح الجريمة وانتهاك الخصوصية… ظاهرة “التصوير أولًا” تهدد المجتمع وصورة الدولة
مقالات

بين فضح الجريمة وانتهاك الخصوصية… ظاهرة “التصوير أولًا” تهدد المجتمع وصورة الدولة

بين فضح الجريمة وانتهاك الخصوصية… ظاهرة “التصوير أولًا” تهدد المجتمع وصورة الدولة

بقلم : حسام النوام

 

لم يعد مشهد إخراج الهاتف المحمول لتصوير أي واقعة غريبة أو صادمة أمرًا استثنائيًا، بل تحول إلى سلوك يومي متكرر في الشارع المصري، بل وفي العالم بأسره. حادثة تحرش، مشاجرة، سرقة، أو حتى موقف إنساني مؤلم… الكاميرا تسبق التدخل، والتوثيق يسبق الإنقاذ. وهنا تبرز إشكالية خطيرة: هل أصبحنا مجتمعًا يوثق المأساة بدلًا من أن يواجهها؟

 

لقد فرضت وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها Facebook وTikTok، واقعًا جديدًا تحكمه سرعة الانتشار واللهاث وراء “التريند”، حتى لو كان الثمن كرامة إنسان أو تشويه صورة مجتمع بأكمله. لم يعد الهدف دائمًا هو كشف الحقيقة أو دعم العدالة، بل أحيانًا تحقيق مشاهدات أو جذب الانتباه، في مشهد يعكس خللًا عميقًا في الوعي المجتمعي.

 

المشكلة لا تكمن في التصوير ذاته، فالتوثيق قد يكون أداة مهمة في كشف الجرائم ومساعدة الأجهزة المعنية، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى نشر عشوائي بلا ضوابط. نشر مقاطع تتضمن ضحايا تحرش أو اعتداء، أو أشخاصًا في حالات ضعف، قد يضاعف من معاناتهم، ويحولهم من ضحايا إلى مادة للتداول والتعليق، بل وربما للسخرية أحيانًا. وهنا يتحول الفعل من “خدمة المجتمع” إلى “انتهاك صريح للخصوصية والكرامة الإنسانية”.

 

كما أن هذا النشر غير المسؤول يفتح الباب واسعًا أمام تضليل الرأي العام. مقطع مجتزأ أو خارج سياقه قد يشعل حالة من الغضب الشعبي، ويصدر أحكامًا مسبقة قبل تحقق الجهات المختصة، ما يهدد مبدأ العدالة ويخلق حالة من الفوضى الإعلامية. الأخطر من ذلك، أن تكرار نشر هذه المقاطع السلبية يرسخ صورة ذهنية مشوهة عن المجتمع، ويعطي انطباعًا غير متوازن عن الواقع، خاصة لدى المتابعين خارج البلاد، وهو ما قد ينعكس سلبًا على صورة الدولة ومكانتها.

 

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى وضع ضوابط واضحة للتعامل مع مثل هذه الوقائع. لماذا لا يتم تخصيص قنوات رسمية أو أرقام مباشرة داخل الجهات المعنية لتلقي هذه الفيديوهات؟ لماذا لا يتم توجيه المواطنين إلى أن دورهم الأساسي هو الإبلاغ، لا النشر؟ إن تحويل مسار هذه المقاطع من “السوشيال ميديا” إلى الجهات المختصة يحقق هدفين في آن واحد: حماية الضحايا من التشهير، وضمان وصول الأدلة إلى من يملك سلطة التحقيق واتخاذ القرار.

إن بناء وعي مجتمعي جديد بات ضرورة لا رفاهية. وعي يُدرك أن نصرة المظلوم لا تكون بفضحه، وأن مواجهة الجريمة لا تعني تحويلها إلى محتوى ترفيهي. وعي يُعيد ترتيب الأولويات: التدخل لإنقاذ الضحية أولًا، ثم الإبلاغ، وليس الوقوف متفرجًا خلف شاشة هاتف.

 

الدولة من جانبها مطالبة بدور أكبر في التوعية والتشريع، من خلال سن قوانين أكثر صرامة تجاه نشر المحتوى الذي ينتهك الخصوصية أو يسيء للآخرين، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية تُرسخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا. كما أن المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية مطالبة بالمشاركة في هذه المعركة، فالأمر لم يعد مجرد سلوك فردي، بل ظاهرة مجتمعية تحتاج إلى مواجهة شاملة.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد مجتمعًا يتضامن مع الضحية أم يتاجر بألمه؟ الإجابة لا تُكتب في القوانين فقط، بل تُصاغ في سلوك كل فرد منا. فإما أن نكون جزءًا من الحل… أو مساهمين في تعميق الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *