الرئيسيةUncategorizedتأملٍ فكري وإنساني عميق في طبيعة الحياة
Uncategorized

تأملٍ فكري وإنساني عميق في طبيعة الحياة

الكاتب \عايد حبيب جندي الجبلي مدير مكتب سوهاج بجريدة 

هذا المقال نابع من وحي الكاتب، ولا يستند إلى مستندٍ تاريخي أو دليلٍ علمي موثّق بالمعنى الأكاديمي الصارم، بل هو ثمرة تأملٍ فكري وإنساني عميق في طبيعة الحياة البيولوجية للإنسان، وفي مسارات الخلق والتنوع والتكيف التي شكّلت الوجود البشري عبر الأزمنة. ويعتمد الطرح فيه على القراءة العقلية والوجدانية معًا، حيث يتداخل التأمل الفلسفي مع الفهم العام للسنن الكونية، دون ادّعاء القطع أو الإلزام، وإنما بقصد فتح أبواب التفكير، وإثارة الأسئلة، والتأمل في حكمة الخلق وتعقيد الوجود الإنساني. صورة الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي حينما يقف الإنسان متأملًا في مخلوقات الله، ويُعمل عقله الإنساني في أسرارها، يجد نفسه عاجزًا عن الإحاطة بتفاصيلها الدقيقة أو فكّ ألغازها كلها. فالعقل، مهما بلغ من إدراك، يظل محدودًا أمام

عظمة الخلق واتساع الكون. ومن هنا يبدأ الإنسان المفكر رحلته في البحث عمّن يرويه بمياه المعرفة، ليغترف من فيض العلم الكوني، ذلك العلم الذي لم تُفصّله الكتب السماوية، لكنه لا يتناقض مع جوهر الإيمان، بل يزيده عمقًا ويقينًا. إن هذه الأسئلة في أصلها ليست تمردًا على الإيمان، بل ثمرة للتأمل الصادق في مخلوقات الله. وعند هذا الحد، يتوقف العقل طويلًا أمام عظمة الخالق، مبهورًا بدقة الصنعة واتساق النظام. وربما نكون نحن، بتأثير الموروث الأسري والاجتماعي، قد سرنا في مسار ديني تقليدي، تحكمه العادات أكثر مما تحكمه المعرفة، فتراجع فينا التدبر الحقيقي لسنن الله في خلقه. وقد يذهب البعض إلى الظن بأن اختلاف ألوان البشر ما هو إلا أمراض وراثية أو اختلافات خلقية، فتنبثق الأسئلة تباعًا: كيف خلق الله بشرًا ذوي بشرة سمراء، وآخرين ذوي بشرة بيضاء، وهم جميعًا من أصل واحد، من رجل واحد وامرأة واحدة؟ ومن هنا تبرز إشكالية أعمق في العقل الإنساني: هل خُلق آدم عليه السلام ببشرة سمراء؟ أم ببشرة بيضاء؟ أم بلونٍ وسط بينهما؟ تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى تفسير بسيط في شكله، عميق في مضمونه؛ إذ إن جلد الإنسان لا يحتوي إلا على صبغة رئيسية واحدة، هي الملاينين،

غمق البشرة. هذه الصبغة تُنتج بنسب متفاوتة، فتتشكل منها كل درجات الألوان التي نراها اليوم بين البشر، من الفاتحة. ولذلك يمكن لشخصين ذوي بشرة بنية متوسطة، كما هو حال أصحاب البشرة المختلطة، أن يُرزقا بأطفال ذوي بشرة فاتحة جدًا، أو بنية، أو داكنة للغاية. وقد شهد العصر الحديث حالات موثقة لتوأمين وُلدا من أبوين من هذا النوع، أحدهما أبيض البشرة والآخر أسود البشرة، في مشهد يعكس تعقيد الوراثة الإنسانية. وهذا يقودنا إلى فهم أعمق لتنوع ألوان البشرة بين أحفاد آدم وحواء، وكيف تشكّل هذا التنوع عبر الزمن، لا بوصفه خللًا، بل باعتباره نظامًا إلهيًا دقيقًا. كما لعب الانتقاء الطبيعي دورًا محوريًا في هذا الاختلاف؛ فالتعرض الطويل لأشعة الشمس في المناطق الحارة أدى إلى زيادة إنتاج الميلانين، فغلبت البشرة الداكنة، بينما أدت قلة أشعة الشمس في المناطق الباردة إلى تراجع هذه الصبغة، فظهرت البشرة البيضاء. وهكذا تكيف الإنسان مع بيئته عبر آلاف

السنين. وهذا المبدأ راسخ في علم الأحياء، ويؤكد أن الاختلاف ليس تناقضًا في الخلق، بل تنوعًا في الحكمة. وبناءً على ذلك، يرجّح كثير من العلماء أن آدم وحواء كانا ذوي بشرة بنية متوسطة، يحملان تركيبًا جينيًا غنيًا، أتاح لأبنائهما وأحفادهما هذا التنوع الواسع الذي نشهده اليوم. أما اختلاف ألوان العيون وأشكالها، مثل النمط الآسيوي أو الصيني، فيُعزى إلى طفرات جينية أثرت في تكوين الجفن ونسبة الدهون فيه، وهو أمر لا يقتصر على عرق دون آخر، إذ يظهر أحيانًا حتى لدى بعض أصحاب البشرة السمراء في إفريقيا. وفي غضون أجيال قليلة بعد الخليقة الأولى، بدأ التفاوت اللوني يظهر بين البشر، ثم اتسع مع مرور الزمن، بفعل الهجرة، والتكيف البيئي، والتزاوج بين الجماعات المختلفة. ورغم أن الانتقاء الطبيعي قد يقلل أحيانًا من التنوع الجيني داخل مجموعة معينة، إلا أن التزاوج بين أصحاب البشرة الفاتحة والداكنة يعيد إنتاج تنوع وراثي أوسع. ولتقريب الصورة، يمكن تشبيه ذلك بما يحدث في عالم الكائنات الحية الأخرى؛ فكم من صفةٍ تبقى خفية في جيل، ثم تظهر جلية في الجيل التالي عندما تلتقي

الجينات المناسبة. ومن هنا يتضح أن البشرة البيضاء ليست حالة استثنائية أو دخيلة على الإنسانية، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التكيف الوراثي والبيئي، خضع لقوانين ثابتة أودعها الله في خلقه. ويبقى السؤال مفتوحًا: كيف تجمعت البشرة البيضاء في قارة واحدة، ثم اختلطت لاحقًا بأصحاب البشرة السمراء لتُشكّل نسيجًا بشريًا واحدًا؟ تكمن الإجابة في الهجرات البشرية القديمة، حيث استقرت جماعات بشرية في مناطق محددة، ثم تفرقت مع الزمن عبر القارات، بفعل البحث عن الرزق، والحروب، والتجارة، والتنقل، فاختلطت الأنساب وتشابكت الألوان. أما من حيث الإحصاءات، فإن أصحاب البشرة البيضاء يُعدّون أقلية على مستوى العالم، إذ يقدّر بعض الباحثين نسبتهم بأقل من 10% من سكان الأرض. في المقابل، يشكّل الآسيويون قرابة 60% من سكان العالم، والسود نحو 20%، بينما تنتشر البشرة الفاتحة بكثافة في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد ساهمت الهجرات العالمية،

خاصة في القرون الوسطى وما بعدها، في اتساع انتشارهم الجغرافي، ليس منذ فجر الإنسانية فقط، بل عبر مراحل تاريخية متتابعة رسمت ملامح العالم الإنساني كما نعرفه اليوم. الحاثيّة في القرون الوسطى ليست من آلاف السنين بعد بحثٍ عميق حول هذه الفكرة التي راودتني منذ عامين، ظلّ السؤال حاضرًا في ذهني: كيف ظهرت البشرة البيضاء والبشرة الداكنة، في حين أن بداية الخلق كانت من رجلٍ واحد وامرأةٍ واحدة؟ في بداية الخليقة، خُلق آدم وحواء، وهما أصل البشرية، وكلاهما من طين، كما ورد في الكتاب المقدس في سفر التكوين: خلق الله آدم من تراب الأرض، وخلق حواء من ضلع آدم. فالله سبحانه أخرج كائنًا حيًا من التراب، ثم أخرج من هذا الكائن الحي كائنًا حيًا آخر، وهي حواء التي خُلقت من ضلع آدم. وبذلك يكون أصل الاثنين واحدًا،

ومادتهما الأولى واحدة: التراب. وهنا يتساءل العقل البشري سؤالًا منطقيًا عميقًا: هل كان التراب أبيض اللون أم داكنًا؟ في اللهجة الدارجة، وفي الفهم اللغوي والعلمي لكلمة تراب، فإن المقصود بها هو الطينة، وهي في الغالب ذات لون داكن يميل إلى البني أو الزيتوني، وليس اللون الأبيض الصافي. ومن هذا المنطلق، يفتح هذا التساؤل بابًا للتأمل في أصل التنوع البشري، بعيدًا عن التصورات السطحية، وقريبًا من الفهم العقلي والتاريخي والديني المتزن. حينما دخلت الخطيئة إلى آدم، انكشفت عورته الروحية قبل الجسدية، ووقف الإنسان للمرة الأولى عاريًا أمام الله، مدركًا ضعفه، شاعِرًا بثقل الذنب، فاقدًا براءة البدء. ومع مرور السنين وتعاقب العصور، لم تعد الأرض مجرد موطن واحد، بل تشكّلت قبائل وشعوب، وتفرّعت الجماعات البشرية، وتكوّنت المجتمعات وفق أعرافها ومخاوفها ومعتقداتها. ومن رحم هذه المجتمعات، وُلدت مفاهيم العيب والعار، وانتقلت من فكرة أخلاقية إلى سلاح

اجتماعي يُستخدم للإقصاء والنبذ. ومن هنا، كما يرى الكاتب، خرجت فكرة نبذ البشرة البيضاء داخل بعض البيئات ذات البشرة الداكنة، لا بوصفها اختلافًا طبيعيًا، بل باعتبارها علامة شذوذ أو لعنة اجتماعية. ويعتمد هذا التفسير على فهم البيئة البيولوجية والجيولوجية للإنسان الأول، حيث كان أصل الخلق من الطين والتراب، كما ورد في الكتاب المقدس، حيث خُلق آدم من تراب الأرض. فالبيولوجيا، في هذا السياق، تعني الطبيعة الوراثية للإنسان، أي الجينات والبنية الجسدية، وهي صفات خرجت في البدء من آدم وحواء دون تمييز في اللون أو الهيئة أو الشكل. ومن هنا تتقارب فكرة الكاتب حين يؤكد أن البشر جميعًا خرجوا من بطن أم واحدة، ذكرًا وأنثى، دون تفريق أو تصنيف أو حدود عرقية. غير أن التاريخ يشهد بظهور مواليد مصابين بمرض البهاق، حيث يولد الطفل بلون مختلف عن محيطه القبلي، فيصبح علامة غريبة في مجتمع يخشى الاختلاف. ومع مرور العصور، لم تقبل بعض

القبائل ذات البشرة الداكنة هؤلاء المواليد، فحوّلتهم إلى رمز للعار، وأقصتهم عن المجتمع، وطردتهم من النسيج القبلي. ويؤكد الكاتب أن هذا السلوك موثّق داخل بعض القبائل الإفريقية، حيث يُنبذ الطفل ذو البشرة البيضاء، وتُدان أمه معه، وكأن الذنب قد سُكِب عليهما معًا. ويرى الكاتب أن هذه الصفات ليست طارئة، بل موروثة بيولوجيًا من الأسلاف، وأن بعض القبائل لا تزال حتى اليوم تعيش قريبًا من الفطرة الأولى للإنسان. فآدم، حين شعر بعريه، ستر نفسه بورق الشجر، في تعبير رمزي عن الوعي الأول بالجسد والخجل. ولا تزال قبائل في عصرنا الحديث تستر أجسادها بالغطاء السفلي فقط، محافظة على نمط حياة قريب من الطبيعة الأولى للخلق. ثم تطورت الحياة، وبدأ الإنسان في صناعة اللباس، حتى إن المصريين القدماء صاغوا أزياء تُرتدى من

الأسفل فقط، في مرحلة انتقالية بين الفطرة والحضارة. ويعتقد الكاتب أن هؤلاء المواليد ذوي البشرة البيضاء وُلدوا داخل قبائل داكنة البشرة، ثم تمّ طردهم هم وأمهاتهم خارج محيطهم الاجتماعي. فَنشأوا في عزلة، وربّتهم أمهاتهم بالرعاية والصبر، حتى بلغوا سن الرشد، فاضطروا إلى الهجرة بعيدًا عن القبائل التي رفضتهم. وعبروا إلى القرى، وأسّسوا مجتمعات جديدة، تشكّلت فيها جماعات ذات بشرة بيضاء، ثم تكاثروا وأصبحوا شعوبًا قائمة بذاتها. ومع مرور الزمن، دخلوا في صراعات مع أصحاب البشرة الداكنة، بدافع الغريزة الإنسانية، والخوف من الآخر، والرغبة في البقاء. ويختم الكاتب فكرته بأن انجذاب الإنسان إلى البشرة البيضاء قد يكون نابعًا من كونها عنصرًا نادرًا ظهر لاحقًا في تكوين البشر، بينما كان الأصل الأول في بدء الخلق داكنًا. وهكذا، يرى الكاتب أن البشرة البيضاء لم تكن أصلًا، بل حالة طارئة، ظهرت بعد خلق آدم وحواء، وحملت معها صراع اللون، واختلاف النظرة، وانقسام البشر عبر العصور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *