الرئيسيةUncategorizedحقائق يقينية أم مجرد تقديرات مبنية على نظريات
Uncategorized

حقائق يقينية أم مجرد تقديرات مبنية على نظريات

 

 

الكاتب \عايد حبيب جندي الجبلي

من هنا ينطق بعض العلماء بأرقام تصل إلى ملايين أو مليارات السنين عند الحديث عن تكوين الطبيعة، ثم يعترضون على ما جاء في الكتب المقدسة بشأن الخلق. وهنا يبرز سؤال عقلي: عندما يذكر العلماء هذه الأرقام الهائلة، هل هي حقائق يقينية أم مجرد تقديرات مبنية على نظريات وأدوات قياس بشرية؟

إن العقل البشري يتأمل في خلق الطبيعة كما ورد في الكتب المقدسة، حيث جاء أن الله خلقها ورأى أنها حسنة. ومن هنا يثار التساؤل: هل يعرف العلماء كم مضى من الزمن بين تكوين الأرض وخلق آدم؟ وهل توجد مدة زمنية محددة في الكتب المقدسة تفصل بين خلق الأرض وظهور الإنسان؟

إن العلماء يعتمدون في تقديراتهم على وسائل قياس وأجهزة صنعها الإنسان، وهذه الوسائل قد تصيب وقد تخطئ، وقد تتطور مع مرور الزمن، ولذلك نجد أن التقديرات تتغير باستمرار. فمرة يقال ملايين السنين، ومرة مليارات السنين، ثم يأتي علماء آخرون فيزيدون أو ينقصون هذه الأرقام دون الوصول إلى رقم زمني قاطع ومتفق عليه.

ومن المعروف أنه لا يوجد في النصوص الدينية رقم صريح يحدد المدة الزمنية بين خلق الأرض وخلق آدم، كما أن الأيام الستة المذكورة في بعض النصوص لا يشترط أن تكون كأيامنا الحالية التي تقاس بدوران الأرض حول الشمس، ولهذا ظهرت تفسيرات مختلفة بين الباحثين.

وفي المقابل، فإن العلماء أنفسهم مختلفون في كثير من تفاصيل تاريخ الأرض وتطورها، مع اتفاقهم على المنهج العلمي القائم على الأدلة المتاحة. ومع كل اكتشاف جديد قد تُعدَّل التقديرات السابقة، وهذا يدل على أن المعرفة العلمية تتطور باستمرار.

ومن جهة أخرى، فإن العهد القديم يذكر سلاسل أنساب تبدأ من آدم إلى نوح، ثم من نوح إلى إبراهيم، ثم إلى الآباء والأنبياء، وهي كما يلي:

  • من آدم إلى نوح: آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ، متوشالح، لامك، ثم نوح.
  • ومن نوح إلى إبراهيم: سام، أرفكشاد، شالح، عابر، فالج، رعو، ساروج، ناحور، تارح، ثم إبراهيم.

ولو جمعنا الأعمار الواردة في هذه السلاسل، فإنها تقود إلى تاريخ بشري يقدَّر بعدة آلاف من السنين، وليس إلى ملايين السنين. وهنا يطرح البعض سؤالًا: إذا افترضنا -على سبيل المثال- أن آدم خُلق قبل مليون سنة فقط، فكيف ينسجم ذلك مع عدد البشر الذين عاشوا على الأرض عبر التاريخ؟

وتشير بعض الدراسات السكانية إلى أن عدد البشر الذين وُلدوا منذ ظهور الإنسان العاقل يقدَّر بنحو 117 مليار إنسان تقريبًا. ويرى أصحاب هذا الطرح أن هذا العدد يبدو قليلًا إذا ما قورن بفترة زمنية تمتد إلى مئات الآلاف أو ملايين السنين، مما يدفعهم إلى إعادة النظر في بعض التقديرات الزمنية المتعلقة بتاريخ الإنسان.

النص يطرح عدة أفكار، لكن من المهم التفريق بين الرأي الفلسفي والاستدلال العلمي:

  1. صحيح أن التقديرات العلمية تتغير مع ظهور أدلة جديدة، وهذا من طبيعة المنهج العلمي؛ فالعلم لا يدّعي العصمة، بل يصحح نفسه باستمرار.
  2. لكن اختلاف العلماء في بعض التفاصيل لا يعني أن جميع التقديرات بلا قيمة أو أنها خيالية، لأن كثيرًا من الأعمار الجيولوجية تعتمد على أكثر من طريقة قياس مستقلة، مثل التأريخ الإشعاعي، وتحليل الصخور، وسرعة تمدد الكون، وغيرها.
  3. أما من الناحية الدينية، فالنصوص المقدسة لا تعطي -في كثير من التفسيرات- مدة زمنية صريحة بين خلق الأرض وخلق آدم، ولذلك ظهرت مدارس تفسيرية متعددة؛ فمنها من يفهم الأيام على أنها أيام عادية، ومنها من يراها مراحل أو عصورًا.
  4. الاستدلال بعدد البشر يحتاج إلى حذر؛ لأن عدد سكان الأرض لم يكن ثابتًا عبر التاريخ، بل ازداد ببطء شديد لآلاف السنين ثم ارتفع بسرعة كبيرة في العصور الحديثة، لذلك لا يمكن وحده أن يثبت أو ينفي عمر البشرية.

وبذلك يبقى السؤال الذي يطرحه النص سؤالًا فلسفيًا ولاهوتيًا مشروعًا للنقاش، لكن تحويله إلى برهان قاطع يحتاج إلى أدلة إضافية، لأن كلا الجانبين -العلمي والديني- ينطلق من منهج مختلف في تفسير الماضي السحيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *