رحلة الغموض ورسائل الردع.. هل أوقفت الصواريخ الإيرانية ساعة الصفر
كتب /ضاحى عمار
في توقيت بالغ الحساسية، أثارت تقارير إعلامية إسرائيلية حالة من الجدل الواسع بعد إعلانها إقلاع طائرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دون الإفصاح عن وجهتها، وهو ما فتح الباب أمام سيل من التكهنات والتحليلات السياسية والأمنية، خاصة مع تصاعد التوتر الإقليمي واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وبحسب تقديرات عدد من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين، فإن الغموض الذي أحاط بتحركات نتنياهو لم يكن معزولًا عن السياق الإقليمي المتفجر، حيث تزامن مع معلومات استخباراتية متداولة حول تطور غير مسبوق في القدرات الصاروخية الإيرانية، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية في طهران إلى درجات قصوى.
صواريخ تغيّر قواعد اللعبة
يرى خبراء عسكريون أن امتلاك إيران منظومات صاروخية متطورة، وعلى رأسها سلسلة صواريخ «فتاح 1» و«فتاح 2» وما يُعرف بـ«فتاح 3»، يمثل نقلة نوعية في ميزان الردع بالمنطقة. وتشير التقديرات إلى أن هذه الصواريخ، بما تتمتع به من سرعة فرط صوتية وقدرة عالية على المناورة واختراق أنظمة الدفاع الجوي، قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الإسرائيلية خلال زمن قياسي، وهو ما يقلّص هامش الرد ويضاعف كلفة أي مغامرة عسكرية.
ويؤكد خبراء أمنيون أن الرسالة الإيرانية في هذه المرحلة ليست هجومية بقدر ما هي ردعية، مفادها أن أي تصعيد مباشر قد يفتح الباب أمام سيناريو شامل لا يمكن السيطرة عليه، وقد يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من حدود الصراع التقليدي.
واشنطن في قلب الحسابات
في هذا الإطار، يذهب محللون سياسيون إلى أن الوجهة المرجحة لتحرك نتنياهو كانت واشنطن، في محاولة عاجلة لبحث سبل احتواء التصعيد ووقف مسار الحرب، خاصة في ظل تقديرات داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي بأن المواجهة المباشرة مع إيران لم تعد خيارًا مضمون النتائج.
ويرى هؤلاء أن الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تدرك خطورة اندلاع حرب إقليمية شاملة، لما لها من تداعيات كارثية على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، فضلًا عن تعقيد المشهد الدولي في توقيت بالغ الحساسية. ومن هنا جاء القرار بوقف أو تجميد أي عمل عسكري واسع كان متوقعًا خلال الأيام الماضية، في إطار حسابات المصالح والردع المتبادل.
قراءة استراتيجية للمشهد
ويجمع خبراء استراتيجيون على أن ما جرى يعكس تحوّلًا واضحًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها هي الحاكمة، بل باتت معادلات الردع وتوازن الرعب هي العامل الفاصل في اتخاذ القرار. فامتلاك أدوات الردع الفعّالة، مقرونًا برسائل سياسية محسوبة، أصبح كافيًا لتأجيل أو تعطيل قرارات الحرب، حتى وإن كانت جاهزة على طاولة التنفيذ.
المشهد الإقليمي، وفق تقديرات الخبراء، يقف حاليًا عند مفترق طرق: لا حرب شاملة في الأفق القريب، ولا سلام مستقر في المدى المنظور، بل مرحلة شدّ وجذب تحكمها حسابات دقيقة ورسائل غير مباشرة. وبين رحلة غامضة لطائرة رئيس وزراء، وصواريخ أعادت رسم خطوط الردع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما جرى هو مجرد تأجيل للمواجهة، أم بداية لمرحلة جديدة تفرض فيها توازنات القوة كلمتها الأخيرة؟

