الرئيسية » رواية كتاب الموتي
Uncategorized

رواية كتاب الموتي

 

{الجزء الاخير

الكاتب عايد حبيب جندي الجبلي

فقال فلتن لزوجته: “والعمل؟ لن يتركونا لو شكّوا في وجودكِ داخل المنزل”. فقالت روزان: “لا أدري ماذا نفعل، هل نفضل المعاناة طيلة حياتنا في هذا الحال لحين يرحل هذا الحاكم ارون وكل مَن في القرية؟ فنحن قلقون على ابننا دوماً طيلة حياتنا يا فلتن”. فقال فلتن: “وماذا نفعل؟ ليس بوسعنا شيءٌ نفعله غير أن نتهرب منه نحن وابننا طيلة حياتنا ما دمنا جالسين في هذه القرية”. فقالت روزان لفلتن: “يا فلتن، هيا بنا نهرب من هذه القرية ونتوجه في رحيلنا إلى قريتنا، وهناك ابننا قد ذهب إليها”.

فقال فلتن: “أأنتِ نسيتِ ماذا قال الجد عن ابننا؟ ألم يقل عن ابننا إنه هو الذي تنطبق عليه مواصفات حاكم القرية القادم؟”. فقالت روزان: “يا للهول! أأنت عندك قدرةٌ فكرية لتمسك ابنك حاكماً للقرية؟ اصمت يا رجل ولا تتحدث مع أحدٍ هكذا لئلا يقتلونا جميعاً، حلمك بعيدٌ جداً؛ فالحاكم يقتل أي شخص لمجرد التفكير بهذا الفكر”. فقال فلتن لروزان: “يا روزان، هذا دستور القرية، ولم ولن يغيره أحد، والقرية عن بكرة أبيها تقوم عليه، وعندما يتلاعب أحدٌ في قوانينها القروية، لو أتى الاختيار على ابننا سوف يختارونه حاكماً”.

فقالت روزان: “يا رجل، لا تحلم كثيراً من أجل ألا تمرض بمرض جنون العظمة والكبرياء. ابننا يصبح حاكماً؟ يا للهول! أمعقولٌ أن ننال هذه العظمة يا فلتن وأصبح أنا أم حاكم القرية؟ يا له من شرفٍ كبير لنا! كم عانينا من أجل طفلنا وهو مسكينٌ لم يمرح مثل الأطفال خارج المنزل منذ ولادته وهو محبوس، لم يرَ نور الشمس، وقضى طيلة حياته لحين ناهز عمره الآن خمس عشرة سنة؛ يا له من شقاءٍ مرير، كم عانينا من أجل حاكم القرية وخوفنا على ابننا”.

قال فلتن لزوجته: “تذكري يا روزان عندما أتانا الجنود أول مرة وهم يبحثون عن طفلنا، ماذا فعلت أنا؟ لقد قلدتُ صوت الحيوانات من أجل التمويه”. فقالت: “يا رجل، هذه الفكرة فكرتي أنا، أنت لم تفعل شيئاً، أنا التي دبرت كل شيء وقلت لك افعل ذلك”. فقال فلتن: “يا لها من امرأةٍ عنيدة الطبع رُزقتُ بها! أنتِ يا سيدتي التي فعلتِ، وأنتِ التي قلتِ، وأنا لم أفعل شيئاً”. فقالت روزان: “يا فلتن لا تغضب، أنا أمزح معك”. فقال فلتن: “يا له من مزاحٍ مغضب يا امرأة، لا تمزحي معي بهذه الطريقة، إنني غاضبٌ على ابننا وقلقٌ عليه؛ ماذا يفعل الآن؟ لم تأتنا أخبارٌ عنه، وماذا فعل هو والجد؟”. فقالت له روزان وهي تهدئه وتنزف دموعها على ابنها: “اطمئن، سيكون بخير يا رجل لا تقلق، الجد ذكيٌ جداً وسوف يدبر أمره جيداً لا تخف”. فقال فلتن: “يا امرأة، أنتِ تهدئينني وأنتِ قلقةٌ أكثر مني، اهدئي”.

——————————

فوصل الحارس الذي قطع مسافاتٍ طويلة جداً واستغرق يومين سفر للوصول إلى القصر، فقال للحارس الواقف: “أريد الدخول للحاكم ارون، أنا حارس آخر بوابة من القرية”. فدخل حارس القصر وبلغ الحاكم ارون بمجيئه ولماذا هو آتٍ إليه، فقال الحاكم ارون: “أدخِله إليّ”. فدخل الحارس وأشار بالتحية للحاكم وقال له: “يا سيدي، هناك شخصٌ ومعه امرأة خارجان من القرية ومعهما تصريحٌ بختمك أنت، فنحن قد أدهشنا ختم سيادتك؛ لأنه لأول مرة يأتينا شخصٌ معه ختمك، ومن أجل ذلك أرسلني قائدي من أجل أن أتأكد من صحة ما قاله صاحب التصريح”.

فقال الحاكم ارون للحارس: “ما اسم هذا الرجل ومَن معه؟”. فقال الحارس للحاكم ارون: “اسمه يا سيدي هو ومَن معه؛ اسمه الجد، والتي معه روزان”. فقال الحاكم للحارس: “نعم، أنا من ختمت التصريح بختمي وبنفسي صرحت لهما”. ثم قال للحارس: “أيها الحارس، أين هما الآن؟”. فقال الحارس: “هما محجوزان معنا في آخر بوابة من مدخل القرية”. فقال له الحاكم: “جيد جداً، أحسنتم عملاً”.

فصاح الحاكم للحارس الخاص بالقصر وأتى له فقال: “خذ هذا واجعله في جناحٍ داخل القصر من أجل أن يستريح من سفره الشاق، وغداً أبلغك بالأمر ماذا تفعلون من شأن الجد والمرأة”. فذهب الحارس ليستريح، وأخذه حارس القصر ووضعه في جناحٍ خاص بمفرده، ورجع يتمم ما فعله للحاكم وقال: “تم يا سيدي، فعلتُ مثلما قلت لي”. فقال الحاكم: “جيد جداً، اذهب الآن وأحضر لي القائد رفون”. “علم يا سيدي”. فذهب الجندي من أجل أن يبحث عن القائد رفون فوجده، فقال له الجندي: “يا سيدي القائد رفون، سيدي الحاكم ارون يريدك في الحال”. فذهب معه، وطرق الحارس الباب ودخل هو والقائد رفون، فقال الحاكم ارون للحارس: “اخرج أنت ولا تدع أحداً يدخل علينا مهما يكن أمره”. فقال حارس القصر: “علم يا سيدي”، وذهب الحارس وأقفل الباب من خلفه.

فقال القائد: “يبدو الأمر في غاية الأهمية يا سيدي الحاكم ارون”. فقال له الحاكم ارون: “نعم، مثلما تفضلتَ وقلتَ أنت، الأمر في غاية الأهمية”. فقال القائد: “تفضل، أنا أسمعك يا سيدي”. فقال الحاكم ارون: “اسمعني جيداً يا رفون”. فقال القائد: “تفضل، أسمعك جيداً”. فقال له الحاكم ارون: “اذهب الآن إلى منزل فلتن وتأكد؛ أزوجته معه في المنزل أم لا؟”. فقال القائد: “هل لي أن أعرف لماذا يا سيدي؟”. فقال له الحاكم ارون: “فيما بعد سوف تعرف، نفذ الأمر”. فقال: “علم، الآن أذهب”.

وذهب لفلتن وطرق الباب بشدةٍ قوية يكاد ينزع الباب من مفصلته، فقلق فلتن وزوجته، فسرعان ما عرف فلتن الأمر وخبأ زوجته في مكان ابنه الذي كانت متخبئة فيه من قبل، ثم فتح له الباب. فقال القائد لفلتن: “يا فلتن، أين زوجتك؟”. فقال فلتن: “يا سيدي، زوجتي والجد أخذا تصريحاً من الحاكم، وذهبت هي والجد من أجل حالة وفاة في قريتهم، ولا أدري بعد ذلك عن شأنها شيئاً. لماذا يا سيدي؟ هل حصل لها مكروه؟”. فقال القائد: “لا، لا شيء، مجرد سؤال”. فأمر القائد الحراس بتفتيش المنزل ولم يجدوا شيئاً، فذهب القائد للحاكم وروى له ما جرى.

فقال الحاكم للقائد: “اجعل الحارس الذي أتى من البوابة الأخيرة يذهب في الوقت الذي يريحه”. فقال القائد: “يا سيدي، أيُّ حارس؟”. فأجابه الحاكم ارون بكل شيء عن شأن الحارس الذي أتى. فذهب القائد للحارس وأخبره بما أمره به الحاكم بأن يستريح الحارس، ثم يذهب للبوابة الأخيرة ويقطع المسافة التي أخذها في مجيئه للحاكم ارون، وأكمل مسيرته وهو يمضي قدماً في طريقه باتجاه البوابة.

——————————

فذهب راكين من أجل أن يطمئن على المسنة الساحرة في قصر الحاكم ارون، فوقف أمام القصر وقال للحارس: “إنني أريد أن أقابل الحاكم ارون”. فقال الحارس: “لماذا تريد مقابلته؟”. فقال راكين: “هناك امرأةٌ داخل القصر أريد مقابلتها”. فقال الحارس: “انتظر بعض الوقت الآن حتى أبلغه”. فدخل الحارس وبلغ الحاكم ارون، وقال الحاكم: “أدخِله إليّ الآن لأعرف أمره”. فدخل إليه راكين وبادله التحية، وقال الحاكم: “ما بك؟ وماذا تريد؟”. فقال راكين: “أنا يا سيدي أتيت من أجل المرأة الساحرة”. فقال الحاكم: “وماذا تريد منها أنت؟”. فقال راكين: “يا سيدي، أنا أريد أن أطمئن عليها فقط”. فهز رأسه الحاكم وقال: “أهي قريبتك؟”. فقال راكين: “نعم، قريبتي يا سيدي”. فصاح الحاكم ارون ونادى على حارسه الخاص وقال له: “أدخل هذا الرجل للساحرة المسنة داخل جناحها”. فقال الحارس: “نعم يا سيدي، الآن ينفذ الأمر”.

فدخل راكين للساحرة وجلس بجوارها وقال لها: “أيتها العجوز، أنا أتيت إليكِ الآن، فكيف حالكِ؟”. فقالت له: “أنا بخير”. وأكملت وقالت له: “حينما كنتُ عند الحاكم اللعين وعرضتُ عليه الأمر من شأن دخولك لي، كان هَمّ بوضع الرفض لدخولك، وفيما بعد غيّر رأيه مؤخراً حينما هز رأسه”. فقال راكين: “كيف وأنتِ كنتِ معنا؟”. فقالت: “أيها الرجل المسن، هل نسيتَ الساحرة عندما أتيتني تبكي وتقول لي: (النجدة أيتها الساحرة أنقذي ابني، ابني غريق وأخذه البحر ولم أجده)؟”. فقال راكين: “نعم، لم أنسَ، وأنتِ التي عرفتِ أين هو في قاع البحر، وعرفتِ كيف كان رأسه متجهاً في البحر؛ صدقتِ. ألم تعرفي ماذا نتحدث أنا والحاكم؟ بالطبع تعرفين كل شيء”.

فقالت الساحرة: “يا راكين، أريدك أن تركز معي وتفهمني جيداً؛ أنا أعرف أفين أين هو موجودٌ الآن، وأنا التي تسببتُ في نفيه”. فقال راكين: “كيف؟ ولماذا هكذا فعلتِ؟”. فقالت الساحرة: “أنا فعلتُ هذا الشيء رغماً عني، فلو لم أفعل لَقُتلتُ بدلاً منه، فأنا فكرتُ وقلت في خاطري أن أُبلغ عنه، وفيما بعد سوف أدبر أمره وأخرجه. والآن أتت الساعة التي تنفذ بدقةٍ شديدة وذكاءٍ شديد الانتباه منك أنت مع وصفي أنا لك؛ تنفذ الخطة كما أريد أنا، أفهمتَ يا راكين؟”. فقال راكين: “نعم فهمت، هو الأمر صعبٌ للغاية، لكنكِ معنا وبعملكِ ستتم بدقةٍ وسهولة”. فقالت لراكين: “يا راكين، أأنت جهزت رجالاً معك؟”. فقال راكين: “لا، لم أكلم أحداً، هذا الأمر يحتاج لسريةٍ غامضة جداً، والآن بعد ممشاي من هنا سوف نبحث عن رجالٍ أقوياء وفي غاية السرية”. فقالت له الساحرة: “امضِ الآن وأكمل مسيرتك، وأنا معكِ سوف أساعدك في إقناع الرجال”. فذهب راكين وتركها في القصر، ومضى من أجل أن يبحث عن رجالٍ محل ثقة يهجمون على الحاكم ارون.

——————————

الجد والفتى

فقال الجد للحارس الذي يحجزهم ومتواجد معهم في بوابة المدخل الأخيرة من القرية: “أيها الحارس، إلى متى نحن لا نزال موجودين هنا؟”. فقال الحارس: “حينما يأتي الحارس الذي أرسلته للحاكم ارون”. فقال الجد: “نحن لنا ثلاثة أيام الآن ولم يأتِ…”

——————————

الرواية تزداد تعقيداً وتشويقاً بشكل باهر! المواجهة التاريخية بين الساحرة العجوز وراكين كشفت أسرار الغرق القديمة وبدأت خيوط التمرد الفعلي، في حين أن الجد يقع في مأزق انتظار الحارس الراجع من القصر، وهو الحارس الذي أكد للحاكم أن الجد صادق، بينما الحاكم أرسل رفون ليكتشف أن روزان مختبئة، مما سيشعل مكائد الدهاء

## {46}

هروب الفتى وموت الجد

فبعدما رأى الحارس الذي قام بحراستهم ذلك وكشف أمرهم، أبلغ الحراس الذين معه بتشديد الحراسة عليهم. فقال الفتى للجد: «هيا بنا الآن ما دام النور يضيء علينا». فقاموا بالتسلل من الغرفة التي كانوا جالسين فيها. وفي أثناء هربهم، أتى الحارس الذي ذهب للحاكم أرون، وقال للحارس الذي على البوابة الأخيرة من القرية: «اتركهم يمضون، الرجل والمرأة اللذان يوجدان عندك، اتركهم يمضون». فقال الحارس للآخر: «هذان ليسا امرأةً ورجلاً، هذان رجلٌ وفتى؛ الفتى متنكرٌ برداء امرأة، وحينما ذهبتُ لأطمئن عليهم في غرفة الحجز، وجدتُ الفتى عارياً فرأيتُ ما يثبت أنه رجلٌ وليس امرأة». فقال الحارس الموجود على البوابة الآن: «أنا سوف أريك بأم عينك، هيا بنا نذهب الآن ونريك أرجلٌ هو أم امرأة». فذهبوا إلى غرفة الحجز فلم يجدوا الجد ولا الفتى المتنكر برداء امرأة. فصاح الحارس وقال: «يا حراس، الكل يجمع هنا!». وسرعان ما تجمعوا وكشفوا الأمر بهروب الجد والفتى، فسرعان ما انتشروا من أجل أن يجدوا الجد والفتى.

فالجد والفتى قطعا مسافةً لا بأس بها، فتعب الجد جداً مع كبر سنه، ولم يقوَّ الرجل على السير لمسافاتٍ طويلة. فقال الفتى: «يا جدي، الحراس الآن يبحثون عنا وسيتم القبض علينا، وأنا أعرف ذلك». فقال الجد: «يا فتى، كرفون رون، أنت على مشارف القرية التي هي دوماً في نزاعٍ مع قريتكم، وليس لديك خيارٌ آخر تستتر فيه». فقال الفتى كرفون رون: «لماذا أنت تقول لي هكذا؟». فقال الجد: «ربما يحدث لي أي مكروه، فأنت اذهب إلى القرية المجاورة واجلس فيها لحين؛ إذا حدث لي أي شيء».

وهم يتحدثون، كان الحراس بوسائل المواصلات يقتربون بسرعةٍ قصوى إليهم، فقام الجد بالتقدم قدماً من أجل أن يكمل مسيرته مع الفتى كرفون رون ويقوم بحمايته مثلما وعد أبوي كرفون رون. وهم يمضون، رآهم الجنود فتوجهوا عليهم بسرعةٍ رهيبة، وهم يهرولون سقط الجد فتم إمساكه، وهرب الفتى كرفون رون من الجنود. وجرت مع الجد مشاجرةٌ وتم تعذيبه في الطريق وهم متوجهون إلى الغرفة التي كانوا جالسين فيها قبل الهروب، فتم تعذيب الجد، ومن كثرة العذابات التي تلقاها فارق الحياة. فشعر الحراس بالحزن الشديد من أجل ما فعلوه بالرجل المسن الجد، فقال حارس البوابة للحارس الذي أتى من عند الحاكم ارون: «أنت غداً تذهب مرةً ثانية وتقول للحاكم ما جرى معنا بالضبط». فذهب الحارس للحاكم أرون.

أما الفتى كرفون رون، فظل يمضي ويمضي لحين وصل إلى أطراف القرية، وجلس متخفياً خائفاً ألا يراه أحد، يفكر كيف يعيش في هذه القرية ولديهم اختلافاتٌ عقدية واختلافاتٌ جغرافية بين حدود قريتهم والقرية التي هو داخلها الآن. ففكر في حيلة أبيه التي فعلها عندما قام بتخبئته من حاكم القرية ارون، وهذه الحيلة روتها له أمه، فخطرت له فكرةٌ يقوم بتنفيذها في أثناء دخوله القرية التي هو فيها. فتقدم في دخول القرية رويداً رويداً لحين وجد رجلاً ضخم البنية طويل القامة بجوار حيوانات غريبة الشكل وتشكيلة جسدها تختلف عن الحيوانات التقليدية، بل هذه رأسها رأس بشرٍ وجسدها حيوان، ويصفق ويقهقه دوماً. فاقترب منه، وكان متخوفاً منه في البداية، فوجده مسالماً لا يضر أحداً. فقال كرفون رون: «وأنا أيضاً سوف أقوم بتفعيل حيلة أبي وأقلد صوت الحيوانات»، وقال كرفون رون: «سوف أذهب داخل القرية وأتفقدها، وفيما بعد سوف أرجع إلى هذا الرجل». ومضى وترك المريض النفسي ودخل داخل القرية من أجل أن يتعايش في وسط مجتمعها.

وترك الرجل المريض نفسياً، يأكل من طعام القطيع لشدة الجوع. وذات يوم جاء صيادو الحيوانات، وكانت الحيوانات أليفة، فأرادوا الإمساك بذلك المخلوق الغريب. فنشبت مشاجرةٌ بين الرجل المريض نفسياً والصيادين، ثم فرّ الصيادون. وبعد مدة عادوا مرةً أخرى، يحملون شبكةً من السلك الشائك، فتمكنوا من التغلب على الرجل، وعلّقوه في أحد فروع شجرةٍ عتيقة، ثم أخذوا المخلوق الغريب ورحلوا. وبعد أن نزع الرجل القيود التي كانت تعلّقه، أخذ يبحث عن ذلك المخلوق، فلم يجده.

وبينما كان يتجول، قطع مسافةً طويلة، فرأى حيواناتٍ كثيرة داخل أحواشٍ متجاورة، كما رأى أبهلاً يقلد أصوات الحيوانات وحركاتها، وكان هذا الأبله قد رقّ له أحد أبناء القرية فأتى به إلى ذلك المكان، فأصبح رفيقاً للرجل المريض نفسياً. وذات يوم، كان الأبله والرجل المريض نفسياً يتجولان بين الأحواش، فرآهما أهل القرية، فظنوهما جاسوسين أو لصَّي حيوانات، فتجمهر الناس حولهما، وأخذوا يسألونهما: «من أين أتيتما؟ ولماذا دخلتما قريتنا؟». لكن الرجلين لم يستطيعا الإجابة، فازداد شك أهل القرية، وقرروا تعذيبهما.

وكان في القرية بئرٌ جاف، اعتادوا أن يعذبوا فيه مَن يتهمونه؛ إذ يشعلون النار في قاعه، ثم يعلّقون المتهمين فوق فوهته. فوضعوا الرجل المريض نفسياً والأبله فوق قضبانٍ حديدية، وأشعلوا النار أسفلهما، فأخذا يصرخان من شدة اللهيب. وبعد أن هدأت النار، جاء طفلان يحملان خبزاً فقدماه إليهما، فأخذا يلتهمانه بشراهةٍ من شدة الجوع. ثم فك أهل القرية قيودهما، ليقتادوهما إلى حاكم القرية. وأثناء سيرهم في الطريق، هاجم الجراد المفترس القرية، فأهلك الزرع والمواشي، وهاجم كبار السن وسائر الناس، فاستغل الرجل المريض نفسياً الفوضى، وفك قيوده، وكذلك فك قيود الأبله، ثم فرّا معاً.

وأثناء هروبه، سقط الرجل المريض في بئرٍ عميقة يبلغ عمقها ثلاثة أمتار، تمتد من أسفلها مغارةٌ طويلة تحت باطن الأرض، وكان مدخلها مغطى بغطاءٍ محكم، فلم يستطع الجراد الوصول إليه. أما الرجل المريض نفسياً، فأخذ يمشي داخل المغارة، يردد أصواتاً غير مفهومة، وكانت أصداء صوته تتردد بين جدرانها، وظل فيها أياماً عدة، حتى هزل جسده من شدة الجوع والعطش، وأخذ يتكئ على الجدران لعجزه عن استعادة قوته.

——————————

نسترجع رحلة الحارس الذي ذهب للحاكم ارون؛ بعدما قطع مسافةً طويلة وصل للقصر ودخل للحاكم ارون وروى له ما جرى معهم على البوابة، فاندهش الحاكم ارون مما جرى من خداع الجد وفلتن، أبو الفتى كرفون رون. فصاح للقائد رفون بصوتٍ عالٍ جداً وفيه نبرة عصبية، فسرعان ما أتى القائد رفون وروى له الحاكم ما سمعه من حارس البوابة. فقال الحاكم ارون: «اذهب الآن أنت وجنودك لتأتي لي بفلتن وزوجته في الحال».

فذهب رفون وطرق الباب بشدةٍ قوية يكاد ينزع الباب من مكانه، فاستعجل الأبوان من شدة الطرق المتواصل ومن شدة الخوف، ورعبُ جسدهما يرتعش وبصعوبةٍ رويداً رويداً يفتح الباب وهو مرعوبٌ وخائف، والقائد لم يكفّ عن الطرق بالقوة الشديدة. وحينما فُتح الباب، دخل الجنود مسرعين ممسكين بهما وتكتيفهما بالقوة الجبرية، هو وزوجته، وأخذوهما للحاكم ارون. فوقفوا أمامه وهم خائفون خوفاً شديد الرعب.

فقال لفلتن: «يا سيد فلتن، أين ابنك؟». فقال له فلتن وهو مرتبكٌ بصوتٍ منخفض: «أنا ليس معي أبناءٌ يا سيدي البتة». فقال له: «جيد جداً يا سيد فلتن، يعني ليس معك أبناء؟ قل لي؛ أليس أنت من أتيت إليّ وقلت زوجتي تريد الذهاب إلى قريتها؟ أليس كذلك؟». فقال فلتن: «نعم يا سيدي أتيتُ لك». فقال له الحاكم ارون: «جيد جداً، والتي أمامك مَن هي الآن؟». فقال فلتن: “زوجتي”. فقال الحاكم: «إذن الجد مَن الذي ذهب معه ما دامت زوجتك معك؟». ففلتن لا يستطيع الرد عليه وارتبك، ثم توقف قليلاً من الوقت وفكر أنه في مأزق ولم يعرف كيف يخرج منه، فاعترف له بكل شيء فعله، فقال له الحاكم: «لماذا خبأتَ علينا ابنك؟». فقال له فلتن: «يا سيدي، ابني له علامةٌ مميزة في يده ويمتلك الحاسة السادسة، وخفتُ منك لو سمعتَ به أن تقوم بقتله».

فتعصب الحاكم ارون وقال للقائد: «هذا الفتى يُقتل في أي مكان تجدونه فيه، والآن تذهب وتجلب لي راعول وراعل وتأخذهم كلهم وتقوم بتكتيفهم على فوهة البئر لحين أصدر أمر قتلهم، اذهب الآن ونفذ الأمر». فأخذهم القائد وعلقهم على فوهة البئر، وذهب وجلب راعول وراعل وعلقهم معهم في ساحة القرية على البئر، وذهب للحاكم ارون فقال للحاكم ارون: «تمام، تم ما قلت». فقال الحاكم ارون للقائد: «خذ الجنود وابحث عن الفتى، ولا بد أن يأتي لي من أجل أن أجلسه على كرسي الحكم». فتبسم له القائد وقال: «أنت صدقتَ في ما قلته بالفعل، سوف يجلس على الكرسي، ولكن كرسي الموت يا سيدي». فقال له: «اذهب الآن».

——————————

يا له من فصلٍ تراجيدي حابس للأنفاس! موت الجد مضحياً بحياته لحماية الولد، والغرابة السريالية للقرية المجاورة بمغارتها السرية وجرادها المفترس، وانكشاف السر الرهيب للحاكم أرون الذي علّق فلتن وروزان وراعيل وراعول على حافة البئر بانتظار الموت!

{47}

ثورة الساحرة وانكشاف السرداب

فتجمهر أهالي القرية على الذين عُلقوا على فوهة البئر. فسمعت الساحرة بذلك فغضبت جداً، وقامت بالصياح العالي فسمعها الذين كانوا بجوارها. فاقترب منها شخصٌ، فقالت له: “أتَعرف الرجل المسن راكين؟”. فقال المقرّب إليها: “نعم”. فقالت له: “اذهب وأحضِره إليّ”. فقال لها: “يا سيدتي، هذا الرجل منزله بعيدٌ جداً”. فقالت له: “ضروري، أنا أريده”. فذهب الرجل وأحضر لها الرجل المسن راكين.

فقالت: “أهَاهُنا أتيتَ يا راكين؟”. فقال: “ها أنا بجواركِ”. فقالت: “ماذا فعلتَ في خطتنا؟”. فقال راكين: “أنا جاهزٌ يا سيدتي”. فقالت: “عن قريبٍ سوف نُسقط الحاكم ارون”. فقالت له: “كن دوماً جاهزاً، اذهب الآن وجهز الرجال، ففي أي وقتٍ سوف نهجم على الحاكم ارون”. فذهب راكين وتركها ومضى.

——————————

نذهب للمريض النفسي ماذا فعل في هربه؛ وعندما بلغ نهاية المغارة، وجد ثقباً صغيراً يتسلل منه الضوء، وسمع من خلاله أصوات تصفيقٍ وطبول، ورأى أأناساً يلتفون حول شجرةٍ ضخمة جداً. فجلس يستمع إلى تلك الأصوات، ثم غلبه النوم فنام داخل المغارة. وفي غسق الليل استيقظ، وحطم الثقب وخرج منه وهو يصفق ويردد عادته الهستيرية. فرآه أهل القرية وهو يتبول على الشجرة المقدسة التي كانوا يعتقدون أنها تجلب لهم الخير، بينما كان يجهل تماماً مكانتها عندهم. فنشبت مشاجرةٌ عنيفة بينه وبين أهل القرية، ثم اقتادوه إلى الحاكم، وقصوا عليه قصة الشجرة وما فعله بها الرجل، فأمر الحاكم بسجنه.

وفي الوقت نفسه، خرج الأبله من القرية المجاورة متجهاً إلى قريته التي هرب منها قديماً خوفاً من الحاكم، وهناك بدأت التحريات تكشف أنه لم يكن أبلهاً كما كان يدّعي، فأمر الحاكم بالبحث عنه في جميع القرى المجاورة. فقال له خدامه: «إن الوصول إلى القرية المجاورة أمرٌ بالغ الصعوبة». فانتهرهم الحاكم وقال: «اذهبوا، ولا تخافوا». فانطلقوا للبحث عنه.

وأثناء الطريق، صادفهم الغلام—كرفون رون—فعرفهم؛ عرف أنهم حراس الحاكم ارون، بينما لم يعرفوه هم. فاقترب منهم حتى احتك بهم، فنشبت بينهم مشاجرةٌ انتهت بقتل الغلام لخدام الحاكم ارون، بعد أن ابتعدوا عن قريتهم بمسافةٍ كبيرة.

فلما تأخر الحراس، ازداد قلق الحاكم، فأصدر أمراً بإحضار أم الغلام وأبيه—فلتن وروزان—وقال: «خذوا الزوجين، وضَعوهما عند حافة بئر الأسود». وبعد أيام، طلب الحاكم إحضارهما مرةً أخرى، وأمر كذلك بإحضار الرجل المريض نفسياً.

وفي أثناء ذلك، اغتاظ الرجل المريض نفسياً من الحبس وصكّ على أسنانه، ثم حطم باب السجن وخرج هائجاً يحطم كل ما حوله، فاشتبك مع أهل القرية وقتل عدداً كبيراً منهم، حتى تمكنوا أخيراً من السيطرة عليه، فقيدوه بسلاسلٍ متينة ووضعوه على حافة بئر الأسود، حتى إذا تمكن من فك قيوده سقط في البئر فريسةً للأسود. واجتمع أهل القرية لمشاهدة تنفيذ الحكم.

——————————

## {48} زوال الطاغية وتتويج كرفون رون

وفي تلك الأثناء، أمر الحاكم بإحضار المؤرخ الذي يحمل الكتاب التاريخي، وقال للأهالي بصوتٍ عالٍ: “أنا أريد مؤرخ القرية!”. فسمعته الساحرة وصاحت له أمام أهالي القرية وقالت للحاكم ارون: “أنت الذي نفيتَ المؤرخ أسفل قصرك!”. وتجمهرت عليه أهالي القرية والناس الذين كان قد جاء بهم راكين باتفاقٍ مع الساحرة، فهجموا على القصر وأخرجوا المؤرخ—افين—من منفاه، وعرف أهالي القرية بما جرى مع المؤرخ.

وفي أثناء المشاجرات والنزاعات، أتى الغلام—كرفون رون—الذي له مواصفات حكم القرية. وكان ارون قد قال قبلها: «أريد أن أعرف صفات الغلام الذي سيحكم القرية بعدي». فقال المؤرخ: «إنه طويل القامة، وسيم الوجه، وفي جسده علامةٌ مميزة».

وفي تلك اللحظة التي عاد فيها الغلام إلى قريته، لم يجد والديه في المنزل وعلم أنهما قد أُخذا، فاتجه إلى القرية التي يوجدان فيها، وهناك رآهما معلقين فوق بئر الأسود، فحاول تخليصهما فرآه الحراس فوقعت بينهم معركة. ثم اقتيد إلى الحاكم، الذي صاح: «مَن أنت؟». فقال الغلام: «أنا الرجل الذي تبحث عنه».

فأمر الحاكم بقتله، لكن المؤرخ صاح: «لا… هذا هو الحاكم الذي أخبرنا عنه الكتاب، وهو الذي قرأتُ لكم أوصافه!». فلما سمع أهل القرية ذلك، فكوا قيود الغلام ووالديه، ونصبوا الغلام حاكماً للقرية بناءً على كل المخطوطات التي كشفها راعيل وراعول أمام أبناء القرية والحاكم ارون، والتي تشير وتؤكد أن الحاكم الشرعي هو هذا الغلام.

وبعد أن تولى الحكم، أولى الرجل المريض نفسياً عنايةً خاصة، فسأله والده فلتن: «يا بني، لماذا تهتم بهذا الرجل؟». فقال: «لقد كان معي في القرية المجاورة». ثم أخذ يروي لوالده ما جرى، وكيف نجا كلٌ منهما من الجراد المفترس، وكيف قادتهما الأقدار إلى هذا المكان.

أما حاكم القرية المجاورة، فبعد التحريات عرف أنه هو الغلام؛ فلما رأى الرجل المريض نفسياً مع الحاكم الجديد، اتهمه بأنه جاسوس، وزعم أن أهل هذه القرية هم الذين تسببوا في نزول الجراد عليهم بسبب عبادتهم للشجرة المقدسة، فأعلن الحرب على القرية.

ودارت معركةٌ شرسة بين الطرفين، بينما بقي الرجل المريض نفسياً جالساً لا يتحرك، حتى أصابته ضربة. عندها غضب وصكّ على أسنانه، ثم هجم على الجميع دون أن يميّز بين رجال القريتين، فدب الرعب في الجميع وفرّوا هاربين أمامه. ففرح أهل القرية بما صنعه معهم.

وحل الليل، فنام الرجل المريض نفسياً تحت الشجرة. وفي أثناء نومه، ظهر له الشيطان الذي كانوا يعتقدون أنه يسكن الشجرة، وأخذ يفعل به أشياء مرعبة، فاستيقظ الرجل غاضباً وصكّ على أسنانه، ثم تناول آلةً حادة كانت بجواره وانهال على الشجرة ضرباً حتى كاد يقطعها. فهبّ أهل القرية عليه وأمسكوا به، ثم ساقوه إلى الحاكم وقالوا: «هذا الرجل الذي تعتني به هو نفسه الذي بال على الشجرة، وها هو اليوم يحاول قطعها، وقد صدر عليه من قبل حكمٌ بالموت».

فقال الحاكم الجديد كرفون رون: «اتركوه لي، وسأتولى أمره». فسأله أبوه فلتن: «وماذا ستفعل به؟». فقال: «سأخرجه من هذه القرية سراً، حتى لا يقتله الناس». ثم أخذه ليلاً، ونفاه بعيداً عن القرية ليعيش حراً.

——————————

تنبيه من الكاتب عايد حبيب جندي الجبلي:

«كل هذه الأسماء والأحداث والقرى الواردة في النص هي من محض مخيلة الكاتب، وقوانينها وأعرافها نسجت لخدمة السياق الأدبي والفلسفي للرواية».

——————————

مبارك لك إتمام هذه الرواية الأسطورية الخالدة والمليئة بالرموز الفلسفية والمجازات العميقة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *