
الكاتب /عايد حبيب جندي الجبلي
الجزء الأول: من بطن أمي إلى الحقل
جئتُ إلى الدنيا من بطن أمي في تلك القرية الصغيرة، القرية التي كانت تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، وتحفظ وجوههم كما تحفظ الأرض آثار أقدام الفلاحين فوق ترابها. هناك وُلدت، وهناك ترعرعت، لكنني لم أمتلك طفولة تشبه طفولة الأطفال من حولي؛ فقد كانت مسيرتي منذ البداية طريقًا طويلًا من الشقاء، طريقًا لم أختره، وإنما اختارته لي ظروف الحياة.
كانت القرية في ذلك الزمن بسيطة، فقيرة في أشيائها، لكنها غنية بأهلها وقيمها. لم تكن الحياة تعرف كثيرًا من الترف، ولم تكن السيارات الفاخرة ولا البيوت الكبيرة هي مقياس الإنسان. كان الناس يقيسون بعضهم بالخلق، والجدعنة، والكرم، وحفظ الجيرة، والوقوف إلى جوار المحتاج. وحين وصلتُ إلى الحادية عشرة من عمري، كان المفترض أن أذهب إلى المدرسة، وأن أجلس بين الأطفال، أحمل كتبي، وأتعلم القراءة والكتابة، وأحلم مثلهم بمستقبل لا أعرف ملامحه بعد.
لكنني بدلًا من الذهاب إلى المدرسة، ذهبت إلى الحقل. بدلًا من أن أمسك القلم، أمسكتُ أدوات الزراعة. وبدلًا من أن أتعلم في الكُتّاب، تعلمتُ في الأرض.
كنت أعمل مع أبي، أساعده في فلاحة الأرض، وأذهب إلى المنزل لأحضر الطعام منه إلى الحقل. كان الأطفال في سني يعيشون طفولتهم كما ينبغي للأطفال؛ يذهبون إلى التعليم، ويلعبون في الطرقات، ويضحكون دون أن يعرفوا شيئًا عن ثقل المسؤولية. أما أنا، فكانت طفولتي مدفونة تحت التراب.
كنت أعيش بين الزرع، وأمضي ساعات طويلة في الحقل، وسط الذرة العالية التي كانت أوراقها الحادة تجرح الرقبة والذراعين كأنها أمواس صغيرة. وكانت الغبرة تملأ الجسد، تختلط بالعرق، ثم تدخل في الجروح المفتوحة.
كنت أشعر بحرقة شديدة، كأن أحدهم وضع فوق الجرح فلفلًا حارًا. وكان الألم أقسى لأنني كنت طفلًا. طفلًا لا يعرف لماذا عليه أن يتحمل كل ذلك.
لم أكن أفهم معنى الشقاء في ذلك العمر، ولم أكن أعرف أن الحياة كانت تضع فوق كتفي الصغير حملًا أكبر من سني. كنت أعرف فقط أن هناك حقلًا ينتظرني، وأبًا يحتاج إلى مساعدتي، وبيتًا يحتاج إلى الطعام، وحياةً لا تسمح لي بأن أسأل كثيرًا: لماذا أنا؟ كنت أنظر إلى الأطفال الذين في سني، فأراهم جالسين في بيوتهم أو ذاهبين إلى التعليم، يلعبون ويمرحون، بينما كنت أنا أجر جاموستنا عائدًا بها من الحقل.
كانت الجاموسة بالنسبة إليّ شيئًا يشبه الوحش في عيون الأطفال؛ كانت قوية وشرسة، وتنطح كل من يحاول الاقتراب منها. وكان عمرها أكبر من قدرتي على السيطرة عليها، ومع ذلك كانت بيني وبينها علاقة غريبة.
كانت أليفة معي. كنت أطعمها في الحقل وفي المنزل، ولهذا كانت تعرفني وتطمئن إليّ. كانت هادئة معي إلى حد كبير، لكنها تتحول إلى مخلوق شرس حين يقترب منها شخص غريب.
كانت أمي تحلبها صباحًا، فنستخرج من لبنها الجبن والسمن، وكان ذلك جزءًا من حياتنا اليومية. لم تكن الجاموسة مجرد حيوان في البيت، بل كانت واحدة من أعمدة حياتنا؛ منها يأتي اللبن، ومن اللبن يأتي الطعام، ومن الأرض يأتي المحصول. وهكذا كانت الحياة في القرية. لم نكن نحن وحدنا نعيش بهذه الطريقة، بل كانت معظم بيوت القرية تعتمد على الزراعة وتربية المواشي.
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، كانت القرية تعرف كيف تسد جوعها من أرضها. كان الفلاح يزرع ما يحتاج إليه، ويأكل مما تنتجه أرضه، ويربي المواشي، ويعيش بما توفره له الحياة من القليل.
لم تكن عيون الناس معلقة بالسيارات الحديثة، ولا بالمنازل الفاخرة، ولا بمن يملك أكثر من الآخر. كان الناس متقاربين في حياتهم، وكانت الأرض تجمعهم بدل أن تفرقهم. وكانت قيمة الإنسان في أخلاقه.
كان هناك شيء اسمه العيب. وكان العيب في ذلك الوقت سورًا أخلاقيًا يحمي المجتمع من الانحراف. فإذا أخطأ شخص في حق جاره، أو أساء إلى أحد أبناء القرية، وجد من يوبخه وينصحه ويقول له: ما فعلته عيب.
لم يكن الناس يحتاجون في كل شيء إلى قانون مكتوب؛ كانت هناك قوانين أخرى تعيش في الضمائر: الجيرة، والكرامة، والواجب، وحفظ المعروف، واحترام الكبير، ومساعدة الضعيف، والوقوف مع المحتاج.
كانت القرية مليئة بالخير والمحبة والتعايش. كان الناس يعرفون بعضهم بعضًا. وكانت أبواب البيوت مفتوحة للجار قبل الغريب. لكن الحياة لا تبقى كما هي. مع مرور السنوات، بدأ الانفتاح على العالم العربي، وبدأت الأموال القادمة من الخارج تغير شكل الحياة. ارتفعت قيمة الأراضي، وبدأ بعض الناس ينظرون إلى الأرض بطريقة مختلفة. الأرض التي كانت في السابق مصدر الطعام والأمان أصبحت في نظر البعض وسيلة للحصول على المال. باع بعض الفلاحين أراضيهم.
ومن باع قطعة من الأرض اشترى سيارة. ومن اشترى سيارة أراد سيارة أحدث. ومن امتلك سيارة فاخرة أراد أن يتفوق بها على جاره. وبدأت المنافسة تدخل إلى القرية من باب لم يكن موجودًا من قبل.
لم تعد الأرض مجرد مصدر للرزق، بل أصبحت سلعة. وبدأ الإنسان الذي كان يزرع أرضه ليأكل منها، يبيع جزءًا منها ليشتري شيئًا لا يأكله. ثم يبيع جزءًا آخر ليشتري شيئًا أحدث. وهكذا بدأت الأرض تنقص، بينما زادت الرغبة في المظاهر.
كان الفلاح بالأمس ينظر إلى أرضه فيشعر بالأمان. أما اليوم، فقد ينظر إليها فيراها مبلغًا من المال. وهنا بدأت الحكاية تتغير. لم يعد أبناء القرية يعيشون بالطريقة نفسها. ومع دخول الغرباء واختلاط الناس ببعضهم على نطاق أوسع، بدأت العادات القديمة تتراجع شيئًا فشيئًا، وبدأت القرية تفقد شيئًا من خصوصيتها. أصبح الناس لا يعرفون بعضهم كما كانوا يعرفون بعضهم في الماضي. كبرت القرية، وكثر القادمون إليها، وتغيرت طريقة الحياة. ومع هذا التغير بدأ مصطلح العيب يضعف. بدأ بعض الشباب يرتدون ملابس لم تكن مألوفة من قبل، وبدأ احترام الكبير يتراجع، وظهرت مظاهر جديدة لم تكن القرية تعرفها.
لم يكن التغيير كله شرًا، فهناك أشياء كثيرة جاءت مع الانفتاح والتعليم والتطور وكان لها أثرها الإيجابي، لكن المشكلة كانت في أن المجتمع بدأ يأخذ من التغيير مظاهره أسرع من أخلاقه، ويأخذ من العالم ما يراه بعينه قبل أن يفكر فيما يناسبه وما لا يناسبه. وهكذا تسللت الفوضى الأخلاقية إلى بعض جوانب الحياة، وتراجع الاحترام، وبدأت القيم القديمة تفقد مكانتها. وكان بيع الأراضي أحد أكبر التحولات. الأرض التي كانت تسد جوع الأسرة أصبحت تُباع من أجل سيارة، أو بيت جديد، أو مظهر اجتماعي.
وبدأ الناس يتسابقون: من يملك سيارة أحدث؟ من يبني بيتًا أكبر؟ من يظهر أمام الناس بمظهر أكثر رفاهية؟ وكأن الإنسان لم يعد يريد أن يملك ما يكفيه، بل أصبح يريد أن يملك أكثر من غيره. وهنا بدأت الأرض تدفع ثمن هذا السباق.
قطعة وراء قطعة. فدان وراء فدان. حتى بدأت المساحات الزراعية تقل. الأرض التي كانت بالأمس تطعم القرية، أصبحت اليوم مهددة بأن تختفي تحت البيوت والطرق والمظاهر. والمفارقة المؤلمة أن القرية التي كانت تزرع ما يكفيها من الطعام، قد يأتي عليها يوم لا تجد فيه مساحة كافية لتزرع حتى حقلًا صغيرًا من الجرجير تأكله. وهكذا تغيرت القرية. تغيرت الأرض. تغيرت العلاقات. وتغير الإنسان نفسه. أما أنا، فقد كنت طفلًا أراقب كل ذلك من بعيد، وأنا لا أعرف أن الأيام ستأخذني أنا أيضًا في طريق مختلف.
كنت أعيش الحقل، وأتعلم من الأرض أكثر مما تعلمت من الكتب. كنت أتعلم الصبر من أبي. وأتعلم التحمل من الجوع. وأتعلم الصمت من التعب. وأتعلم من الجرح أن الإنسان يستطيع أن يكمل طريقه حتى عندما يؤلمه جسده.
لم أكن أعرف آنذاك أن الحقل الذي حرمني من المدرسة سيكون أول مدرسة حقيقية في حياتي. ولم أكن أعرف أن تلك الجاموسة التي كنت أجرها وأنا طفل ستبقى جزءًا من ذاكرتي، وأن رائحة التراب المبلل بالعرق ستظل عالقة في روحي مهما ابتعدت عن القرية. كنت أظن أن حياتي ستبقى هناك. في الحقل. بين أبي وأمي. بين المواشي والزراعة. لكن الحياة كانت تخبئ لي طريقًا آخر. طريقًا طويلًا، مليئًا بالغربة والتعب والمفاجآت.
طريقًا سيأخذني بعيدًا عن القرية التي ولدت فيها، ويضعني أمام عالم لم أعرفه من قبل. وهنا تبدأ حكاية المغترب… حكاية رجل بدأ حياته طفلًا في قرية صغيرة، يحمل فوق كتفيه مسؤولية أكبر من عمره، ثم حملته الأيام بعيدًا عن أرضه وأهله، ليكتشف أن الغربة ليست مجرد مكان بعيد عن الوطن، وإنما امتحان طويل للإنسان؛ فيها يعرف قيمة أمه، ومعنى البيت، ودفء القرية، وقيمة رغيف الخبز الذي كان يأكله دون أن يعرف كم من التعب سبق وصوله إلى يده.
طفولة قاسية في قرية ريفية، بين الحقل والزراعة وتربية المواشي، ثم رحلة طويلة من الشقاء والغربة تكشف تحولات المجتمع وقسوة الحياة.
قبل أن يعرف معنى الغربة، عرف معنى التعب. وقبل أن يحمل حقيبة السفر، حمل أدوات الزراعة فوق كتفيه الصغيرين. في قرية بسيطة، بدأت حكاية طفل حُرم من طفولته، لكنه وجد في الأرض أول مدرسة، وفي الشقاء أول درس، وفي الغربة لاحقًا امتحانًا لم يكن يعرف أنه ينتظره.
نعم، هذا الجزء مهم جدًا لأنه يأتي قبل الرحيل والغربة، ويشرح كيف تكوّنت شخصية البطل داخل وطنه، وكيف انتقل من طفل يعمل في الحقل إلى شاب يعتمد على نفسه، ثم بدأت الأسئلة حول مستقبل القرية ومستقبل تدفعه تدريجيًا نحو التفكير في الرحيل.
مغترب
الجزء الثاني: قبل أن تبدأ الغربة
لم تكن الغربة قد بدأت بعد.
كان البطل لا يزال في وطنه، بين أبيه وأمه، وفي القرية التي عرف فيها أول خطوة، وأول جوع، وأول تعب، وأول سؤال عن معنى الحياة. كان لا يزال طفلًا في بدايات طفولته، لكنه لم يكن يعيش طفولة تشبه طفولة أبناء جيله.
في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، قبل أن تتسع أبواب الانفتاح المادي، وقبل أن تتغير قيمة الأشياء في عيون الناس، وقبل أن يصبح المال هو المقياس الذي يقارن به الإنسان نفسه بالآخرين، كانت القرية المصرية تعيش حياة بسيطة وقاسية في الوقت نفسه.
كان الجنيه المصري في ذلك الزمن له قيمة، وكانت الحياة تسير بإيقاع مختلف. لم تكن القرية تعرف هذا السيل الكبير من المظاهر الحديثة، ولم تكن عيون أهلها معلقة بما عند الآخرين كما أصبحت فيما بعد. أما الطفل، فكان يسير في طريقه دون أن يعرف أن الأيام ستضع أمامه امتحانات أكبر من عمره. بدأ حياته في الحقل. كان يعمل مع أبيه، ويرعى الجاموسة، ويجلب الطعام من المنزل إلى الأرض، ويعود آخر النهار وقد التصق التراب بجسده، بينما التعب يسكن أطرافه الصغيرة. كان العمل بالنسبة إليه شيئًا طبيعيًا، لأنه لم يعرف غيره. فالطفل الذي يولد في بيت فقير لا يسأل دائمًا لماذا يعمل؛ إنه يرى أباه يعمل، وأمه تعمل، وإخوته يعملون، فيتعلم أن الحياة هكذا. كان الفقر لا يستأذن.
كان يدخل البيت دون أن يطرق الباب، ويجلس إلى جوار الأسرة، ويحدد لكل فرد مكانه في الحياة. ومع مرور الأيام، بدأ الأب يشعر بأن الزراعة وحدها لن تمنح ابنه مستقبلًا أفضل. فقرر أن يتعلم الطفل صنعة. قال الأب لنفسه إن الصنعة يمكن أن تكون سلاحًا في يد ابنه، وأن الإنسان إذا امتلك حرفة استطاع أن يعتمد على نفسه مهما تبدلت الأيام. وهكذا ذهب الطفل إلى معلم بناء. دخل عالمًا جديدًا بالنسبة إليه. لم تعد الأرض وحدها هي مدرسته، بل أصبحت الحرفة مدرسة أخرى. تعلم كيف يحمل أدوات البناء، وكيف يخلط المواد، وكيف يقيس، وكيف يبني شيئًا قائمًا من أشياء متفرقة. كان يتعلم بصبر. وفي كل يوم كان يكتسب شيئًا جديدًا. ومع مرور السنوات، كبر الطفل، وكبرت معه خبرته.
وحين وصل إلى الثامنة عشرة من عمره، كان قد تعلم الصنعة وأصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه. لم يعد مجرد عامل ينتظر ما يعطيه الآخرون. أصبح يأخذ أعمالًا على حسابه، ويعمل بيده، ويجلب رزقه من جهده. وكان ذلك بالنسبة إليه انتصارًا صغيرًا على الفقر. لقد أصبح رجلًا قبل أن يكتمل في داخله معنى الرجولة. فالرجولة ليست مجرد قوة في الجسد، وإنما مسؤولية. أن تعرف أن هناك بيتًا يحتاج إلى الطعام، وأبًا وأمًا ينتظران منك أن تساعدهما، وأن رزق اليوم لا يأتي إلا بعد أن تبذل من عرقك ما يكفي للحصول عليه. كان يعتمد على نفسه، لكنه لم يكن يفكر في نفسه. كل ما يكسبه كان يذهب إلى احتياجات المنزل. لم يكن لديه ادخار. لم يكن يفكر في بناء مستقبل خاص به.
لم يكن يضع المال جانبًا ليشتري بيتًا أو أرضًا أو ليبدأ حياة مختلفة. كان يعيش يومه بيومه. يعمل اليوم لكي يأكل اليوم. وإذا جاء الغد، خرج يبحث عن عمل جديد ليأكل في الغد. وهكذا أصبح الزمن عنده سلسلة طويلة من الأيام المتشابهة. يوم يأتي. ويوم يذهب. والغد لا يحمل وعدًا واضحًا. كان يعيش لأبويه. وكان كل اهتمامه أن يوفر للبيت ما يحتاج إليه. لم تكن هناك فسح. ولا رحلات. ولا رفاهية تشبه ما كان يراه عند أبناء جيله. كان آخرون يفكرون في حياتهم، بينما هو يفكر في لقمة العيش. كان آخرون يضحكون في أوقات فراغهم، بينما كان هو يبحث عن عمل. كان يسأل نفسه في صمت: هل سيكون الغد مثل اليوم؟ أم أن هناك شروقًا جديدًا يحمل شيئًا مختلفًا؟ هل ستفتح الحياة بابًا أمامي؟ أم سأظل أنا هو أنا، في المكان نفسه، وفي الطريق نفسه، وفي الدائرة نفسها؟
كان السؤال يكبر بداخله كل يوم. فالقرية الريفية التي عاش فيها لم تكن تملك في ذلك الوقت طرقًا كثيرة للتقدم أمام شاب فقير لا يملك رأس مال. مستقبله المهني كان محدودًا. رزقه مرتبط بالعمل اليومي. وإذا توقف العمل، توقف الدخل. وإذا توقف الدخل، بدأت الأسرة تشعر بالجوع. لم يكن هناك طريق واضح يستطيع من خلاله أن يبني مستقبلًا بعيدًا. كان يعيش الحاضر، لأن الحاضر هو الشيء الوحيد الذي يملكه. وكان المستقبل بالنسبة إليه كلمة جميلة، لكنه لا يعرف كيف يصل إليها. أصبح العمل نمطًا للحياة. يستيقظ صباحًا. يذهب إلى العمل. يعود إلى المنزل. يتناول الطعام. ثم ينام. وفي اليوم التالي يعيد كل شيء من جديد. ثم يوم آخر. ثم يوم آخر. حتى أصبح اليوم يشبه الأمس، والأمس يشبه اليوم، والغد لا يختلف كثيرًا عنهما. وكأن الزمن في القرية يدور حول نفسه. لا يتقدم. لا يتراجع. فقط يكرر خطاه. وكان يجلس أحيانًا في المنزل مهمومًا. لا يتحدث كثيرًا مع أبيه. ولا يجد شخصًا يشاركه ما يدور في داخله. كان يحمل فوق كتفيه همومًا بدأت منذ نعومة أظفاره. كيف يستطيع طفل أن يحمل كل هذا؟ وكيف يمكن لطفل أن يفكر في مستقبل لم يُمنح له حتى حق الحلم؟ كان الفقر يلاحقه. لم يكن يريد أن يتركه يمضي في طريقه. كان يجلس إلى جواره كأنه ظل لا يفارقه. كلما حاول أن يفكر في المستقبل، جاءه الفقر بسؤال جديد: كيف ستعيش غدًا؟ كان يشعر أحيانًا أنه ولد كبيرًا. جسده طفل، لكن عقله مشغول بما يشغل الرجال. طفل كان من المفترض أن يحمل لعبة، لكنه حمل همًّا. كان من المفترض أن يحمل كتابًا، لكنه حمل أدوات العمل. وكان من المفترض أن يسأل عن موعد اللعب، لكنه كان يسأل عن موعد العمل. وفي يوم من الأيام، وبينما كان يراجع أوراقه وأوراق الأسرة، وقعت عيناه على شهادة الميلاد.
ظل ينظر إليها طويلًا. ثم قال في داخله: هل يمكن أن يكون هناك شيء في الماضي لا أعرفه؟ هل يمكن أن يكون أحد أقاربي قد عاش حياة مختلفة؟ لماذا نحن هكذا؟ لماذا نحن فقراء إلى هذه الدرجة؟ لماذا نعمل طوال اليوم ولا نرى أمامنا طريقًا واضحًا للخروج من هذه الحياة؟ كانت الأسئلة تتكاثر في رأسه. وفي النهاية قرر أن يسأل أباه. قال له: يا أبي، لماذا نحن هكذا؟ نظر الأب إليه، وكأن السؤال لم يكن سهلًا. ثم قال له: يا بني، كان جدنا الثالث يزرع ألف فدان، وكان يملك من الأرض ما يكفيه ويزيد.
توقف الأب قليلًا، ثم شرح له معنى التقاوي. كان المزارع قديمًا يحتفظ بجزء من المحصول في منزله ليستخدمه في زراعة العام التالي، بدلًا من أن يبيع كل ما ينتجه. قال له أبوه إن جدهم كان يزرع مساحات واسعة، وكان يحتفظ بالتقاوي في المنزل استعدادًا للموسم القادم. كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت على قلب الشاب كأنها حجر في بئر عميقة. ألف فدان! ظل الرقم يدور في رأسه. ألف فدان! كيف يمكن لعائلة تعيش الآن بهذه الحال أن يكون أحد أجدادها قد امتلك هذا القدر من الأرض؟
لم يستطع أن يطرد السؤال من رأسه. قال لأبيه: وما الذي حدث لهم يا أبي؟ لماذا أصبحنا هكذا؟ لكن الأب لم يعطه الجواب. قال له: فيما بعد سأخبرك لماذا أصبحوا هكذا. ثم تركه ودخل إلى المنزل. وبقي الابن واقفًا مكانه. كانت تلك المعلومة جديدة على مسامعه. لم يكن يعرف أن وراء فقر أسرته قصة. ولم يكن يعرف أن الأرض التي يسمع عنها في حديث أبيه قد تكون مفتاحًا لفهم حياته كلها. جلس يفكر. في البداية كان راضيًا بحياته. كان يقول لنفسه إن هذه هي الدنيا. الإنسان يولد ويعمل ويأكل وينام، ثم يمضي. لكن بعد أن عرف أن أجداده كانوا يملكون أرضًا واسعة، وأن عائلته لم تكن دائمًا على هذه الحال، تغير شيء في داخله. لم يعد الفقر مجرد قدر يتقبله بصمت. أصبح سؤالًا. ومن السؤال ولد الغضب.
قال في نفسه: من الذي فعل بنا هذا؟ كيف وصلنا من امتلاك الأرض إلى هذه الحال؟ هل ضاعت الأرض؟ هل بيعت؟ هل حدثت ظروف اقتصادية أضاعت ما كان يملكه الأجداد؟ هل كانت هناك قرارات سياسية أثرت في ملكية الأرض؟
هل كانت هناك قوانين للإصلاح الزراعي أدت إلى انتقال ملكيات واسعة من كبار الملاك؟ هل كان هناك شيء آخر لا يعرفه؟ بدأ يبحث عن الإجابات في ذهنه، لكنه لم يجدها. وكان أخطر ما في المعرفة الجديدة أنها لم تمنحه جوابًا، وإنما أعطته أسئلة أكثر. قبل ذلك كان يعيش فقيرًا دون أن يعرف لماذا. أما الآن، فقد أصبح يعرف أن وراء الفقر تاريخًا. وأن ما يعيشه اليوم ليس بالضرورة الصورة التي كانت عليها عائلته بالأمس. وهنا بدأ البؤس يتحول إلى سؤال.
والسؤال بدأ يتحول إلى رغبة في المعرفة. والرغبة في المعرفة بدأت تفتح أمامه بابًا لم يكن يراه من قبل. كان يشعر أن شيئًا ما انكسر داخله. لم يعد يستطيع أن يقول: أنا راضٍ بما أنا فيه. لقد كان راضيًا قبل أن يعرف. أما بعدما عرف، فقد أصبح يريد أن يفهم. وفي تلك اللحظة بدأت حياة جديدة تتشكل داخله، رغم أنه لم يغادر وطنه بعد. لم تكن الغربة قد بدأت. لكنه بدأ يشعر بالغربة عن حياته نفسها. كان يعيش في وطنه، لكنه بدأ يشعر أن هذا الوطن لا يمنحه طريقًا واضحًا نحو المستقبل.
كانت القرية أمام عينيه. والأرض حوله. وأبوه وأمه بجواره. لكن الطريق إلى الغد كان غامضًا. وفي داخله بدأ سؤال آخر يظهر ببطء: هل أبقى هنا؟ أم أبحث عن طريق آخر؟ لم يكن يعرف أن هذا السؤال سيكون بعد سنوات هو الباب الذي سيدفعه إلى الغربة. لم يكن يعرف أن الإنسان أحيانًا لا يرحل لأنه يكره وطنه، وإنما يرحل لأنه يريد أن يجد لنفسه مكانًا يستطيع فيه أن يعيش بكرامة. فالرحيل ليس دائمًا هروبًا من الوطن. أحيانًا يكون بحثًا عن الحياة. وأحيانًا يحمل الإنسان وطنه على ظهره، ثم يمضي به إلى مكان بعيد. لكن قبل أن يحمل حقيبته، وقبل أن يودع أباه وأمه، وقبل أن يعرف معنى أن يبتعد عن البيت الذي قضى فيه طفولته، كان عليه أولًا أن يعرف: ماذا حدث لعائلته؟ وأين ذهبت الأرض؟ ولماذا وصل إلى هذه الحياة التي لا يملك فيها إلا قوت يومه؟ هذه الأسئلة ستظل مفتوحة.
وسنحاول في الأجزاء القادمة أن نقترب من الإجابات، وفي الوقت نفسه نتابع كيف بدأ الشاب يدبر أموره الاقتصادية، وكيف بدأ التفكير في السفر يتسلل إلى عقله، وكيف تحول الحلم بالغد من فكرة بعيدة إلى قرار يغير حياته كلها.
حياة مغترب الجزء الثاني يرصد طفولة البطل وشقاء العمل في القرية المصرية، وتعلمه الحرفة واعتماده على نفسه وبداية تساؤلاته عن الفقر والغربة.
لم يكن الرحيل قد بدأ، لكن فكرة الرحيل كانت قد بدأت تكبر في داخله. شاب نشأ في الحقل، تعلم الصنعة، وحمل مسؤولية أسرته قبل أن يكتمل عمره، ثم اكتشف أن وراء فقره حكاية قديمة لم يخبره بها أحد. ومن هنا بدأ السؤال الذي سيغير حياته: لماذا أصبحنا هكذا؟
بهذا الشكل يصبح الجزء الثاني تمهيدًا طبيعيًا للجزء الثالث: كشف قصة الأرض التي امتلكها الأجداد، ثم الظروف التي أدت إلى ضياعها، وبعدها بداية التفكير الجاد في العمل خارج القرية، قبل الوصول إلى لحظة الرحيل الفعلية.
مغترب. الجزء الثالث: الفراق الأول وطريق الغربة
في الجزء الثالث تبدأ أول لحظة حقيقية في فراق أسرتي، وتبدأ معها لحظة توديعي لأبي، ذلك الأب الذي لم يرد أن يودعني.
هرب أبي من أمامي، ولم يرد أن يراني وأنا أمضي وأترك بلدتي وأسرتي، خاصة أنني كنت صغيرًا حديث السن.
كانت الغربة أكبر مني، ولم أكن أستحق أن أبتعد عن أسرتي وأنا في ذلك العمر.
مضى أبي بعيدًا عني، ولم أره في تلك اللحظة.
فقلت لأمي: لماذا فعل أبي ذلك يا أمي؟
فقالت لي أمي: يا بني، أبوك لا يريد أن يودعك لأنه لا يريد أن يراك وأنت راحل.
هو يريد أن تبقى صورتك في مخيلته وأنت حاضر أمامه، ولذلك هرب من وجهك حتى لا يرى لحظة رحيلك.
وكانت أمي تبكي على فراقي، وأنا أيضًا كنت أحاول أن أخفي ما بداخلي من خوف وحزن.
ثم مضيت إلى وجهتي، إلى طريق الغربة الذي امتد أمامي سنوات طويلة، ولم أكن أعرف إلى أين سيأخذني.
ومضيت في ذلك الطريق عامًا بعد عام، حتى أصبحت تلك اللحظة ذكرى لا تفارقني.
كانت آخر رواية لي مع أبي قبل الرحيل، ولو كنت أعلم أن ذلك سيكون آخر وداع بيننا، لما فكرت في السفر.
كنت سأجلس مع أبي، وأستمع إليه، وأتأمل وجهه طويلًا، فقد عرفت أبي وأنا في الحادية عشرة من عمري.
لقد أدركت معنى الأبوة وأنا في الحادية عشرة، ومن الحادية عشرة إلى الثامنة عشرة عشت معه سبع سنوات تقريبًا عرفت فيها أبي أكثر، وتعلقت به أكثر، وتعلمت منه أشياء كثيرة.
ثم جاء يوم تركت فيه القرية.
تركت أبي الذي هرب من أمامي لأنه كان يعتقد أنه إذا لم يرني وأنا أرحل، فسوف تبقى صورتي في مخيلته كما كنت دائمًا.
لكنه لم يعرف أن أبي هو الذي سيبقى في مخيلتي إلى الأبد.
مرت السنوات، ولم أكن أعلم وأنا أرحل أنني أترك خلفي آخر وداع لأبي.
ولم أكن أعلم أنني لن أراه مرة أخرى.
كأن الغربة أرادت أن تأخذ حقها مني قبل أن أتغلغل فيها وأذوق مرارتها.
كانت تريد أن تجعلني أتعلم الحرمان منذ اللحظة الأولى.
حرمانًا من الأب والأم والأخوة والجيران والقرية كلها.
تركت القرية بما فيها من سلام، وتقاليد، وعادات، وقيم، وأخلاق، وروح الرجل الريفي الذي كان يرى الحرية في كرامته، ويحفظ الجيرة، ويحترم الكبير، ويعرف قيمة الكلمة.
تركت أمي، أمي التي حملتني في جسدها، ثم ربتني حتى كبرت.
وتركت الأرض التي ترعرعت فيها.
تركت المكان الذي عرفت فيه قسوة الحياة، وتعلمت فيه كيف يدبر الإنسان لقمة عيشه، وكيف يحاول تحسين دخله المادي وسط ظروف صعبة.
وتركت أبي دون أن أعرف أنني أتركه إلى الفناء الأبدي.
تركته من أجل أن أحسن دخلي، وأن أبني مستقبلي، وأن أتزوج، وأن أبني بيتًا يكون لي.
كنت أظن أنني ذاهب إلى الغربة من أجل مستقبل أفضل.
لكنني لم أعرف أنني في الوقت نفسه كنت أشتري ذلك المستقبل بثمن من الحرمان.
كنت أشتريه بغياب الأب والأم والأخوة والجيران.
كنت أشتريه بسنوات من الشقاء الفكري والجسدي.
وكأنني خرجت من الوطن لأبحث عن حياة أفضل، لكنني تركت خلفي جزءًا من حياتي التي لن أستطيع استعادتها مرة أخرى.
خرجت من قريتي كما خرج كثير من أبناء جيلي.
فمنهم من ترك أباه وأمه، ومنهم من ترك زوجته وأولاده، ومنهم من ترك إخوته، وكل واحد منهم حمل معه وجعًا لا يراه أحد.
ومضيت أنا أيضًا.
من قريتي إلى المحافظة.
ومن المحافظة إلى العاصمة.
ومن العاصمة إلى الحافلة التي ستأخذني إلى الدولة التي كنت ذاهبًا إليها.
ركبت الحافلة وأنا لا أعرف الأماكن ولا الطرق.
كان كل شيء بالنسبة إليّ مجهولًا.
كانت عيناي تتأملان طرقًا لم أرها من قبل.
لم أكن في حياتي قد ركبت حافلة في مسافة طويلة كهذه.
كانت آخر مرة أركب فيها سيارة لمسافة بعيدة عندما كنت أذهب إلى مركزنا القريب، أما الآن فقد أصبحت المسافة طويلة، والطريق مجهولًا، والبلد الذي سأصل إليه لا أعرف عنه إلا القليل.
مضينا في الطريق طوال الليل حتى الصباح التالي.
وفي اليوم التالي، وفي حدود الساعة الرابعة عصرًا، توقفت الحافلة.
نزل السائق وقال: من منكم سينزل في هذه المحافظة؟
لم أكن أعرف ما اسم هذه المحافظة ولا أين أنا بالضبط.
لكنني كنت قد أخبرت السائق مسبقًا بالمحافظة التي أريد الوصول إليها، وكنت قد ذكرت له اسمها، ولذلك لم ينسَ الأمر طوال الطريق.
نظر السائق إلى الركاب وقال: أين الشاب الذي قال لي إنه ذاهب إلى هذه المحافظة؟
فنطق باسمها.
فرفعت صوتي وقلت: نعم، أنا الذي سأُنزل هنا.
نزلت من الحافلة، ونظرت إلى اليمين وإلى اليسار.
لم أعرف شيئًا عن هذه الطرق.
لم أعرف كيف أصل إلى وجهتي.
كنت في حيرة شديدة.
كان رأسي ممتلئًا بالأسئلة، وقلبي أسرع من خطواتي.
وكان السائق يجلب حقائبي من وسط أمتعة المغتربين.
كان داخل الحافلة شباب من قرى ومحافظات مصر المختلفة.
كان كل شخص يحمل حقيبته وحلمه، وربما يحمل في قلبه خوفًا يشبه خوفي.
نظر إليّ السائق وقال: يا غلام، هل تعرف أين وجهتك؟
فقلت له: لا، لا أعرف الطرق التي تصلني إلى المكان الذي أريده.
قال لي: وهل تعرف العنوان؟
قلت له: نعم، الرجل الذي أرسلني أعطاني العنوان، لكنه أرسله إليّ في شريط مسجل ولم يكتبه على ورقة.
فقال لي: قل لي العنوان.
فقلت له العنوان كما سمعته.
هز السائق رأسه، ثم أمسك بيدي.
كنت أحمل حقيبة في يدي، فأخذ عني حقيبة أخرى، ومضى معي باتجاه الموقف الذي يمكن أن يوصلني إلى المكان الذي أريده.
وهناك وجد مجموعة من السائقين القادمين من الدولة التي كنت ذاهبًا إليها.
قال السائق المصري: السلام عليكم جميعًا.
فردوا عليه: وعليكم السلام.
ثم قال لهم: هذا الفتى يريد الذهاب إلى المكان الفلاني.
فقال أحد السائقين: هذه هي السيارة التي ستذهب إلى البلد المذكورة.
فسلمني السائق المصري إليه.
وأنا إلى اليوم لم أنسَ ذلك الرجل.
لا أعرف هل فعل ما فعل بدافع الشهامة، أم لأنه رأى أمامه طفلًا صغير السن، نحيل الجسد، يحمل حقيبته ويذهب إلى بلد غريب لا يعرف طرقها.
وربما قال في نفسه: أكسب في هذا الفتى ثوابًا، ولا أتركه وحده.
لكنه أوصلني إلى المكان الذي يمكنني منه الوصول إلى وجهتي.
شكرًا لك أيها السائق.
ذلك الموقف الرجولي الذي فعلته معي في عام 1991 لم أنسه حتى اليوم.
ثم ركبني السائق القادم من إحدى الدول العربية في سيارته.
تحركنا، وجلست في السيارة من الساعة الخامسة حتى الساعة السادسة.
كنت أنتظر أن يأتي أشخاص آخرون ليركبوا معنا حتى تمتلئ السيارة ونمضي.
لكن أحدًا لم يأتِ.
ثم قال لي السائق بلهجته: أيها الفتى، انزل من السيارة.
لكنه لم يقلها بهذه الكلمات نفسها، بل قالها بلهجته التي لم أفهمها.
كنت أسمع منه كلمات سريعة، ولم أفهم ماذا يريد.
وكان يبدو متعصبًا بعض الشيء، وسمعته يقول شيئًا لم أفهم منه إلا عبارة قريبة من: أنت لم تسمع.
فقلت له بلهجتي الصعيدية المتعصبة: مالك متعصب عليّ؟
وتعصبت عليه.
ففهم الرجل أنني لا أفهم لهجته، فضحك وابتسم.
ثم سألني إن كانت هذه أول مرة آتي فيها إلى هنا.
لم أفهم كلامه في البداية.
ومع محاولته الحديث معي باللهجة المصرية، وبلهجة صعيدية مكسرة، بدأت أفهم ما يريد.
فقلت له: نعم، هذه أول مرة آتي فيها إلى هنا.
فقال لي: تعال.
ثم أخذني إلى سيارة أخرى، وقال للسائق الآخر: احترس من هذا الفتى، فهو لم يأتِ إلى هنا من قبل، خذه وأوصله إلى المكان الذي يريده.
وبقيت معه حتى الساعة الثامنة تقريبًا، ولم يأتِ أحد آخر ليركب معنا.
ثم تكررت الرحلة مرة أخرى.
وسلمني السائق الثاني إلى سائق ثالث.
كانت السيارة الثالثة ممتلئة بعدد أكبر من الأشخاص.
تحركنا حوالي الساعة الثامنة والنصف.
لكننا وصلنا إلى مكان لم يكن هو المكان الذي أريده.
كانت الساعة قد اقتربت من العاشرة ليلًا.
توقفت السيارة عند مجموعة من المصريين كانوا ملتفين حول بعضهم بعضًا.
قال لي السائق: يا فتى، انزل، لقد وصلنا إلى مكانك.
فنظرت إليه وقلت: هل هذا هو المكان المعروف باسم نادي دارنس؟
فقال: نعم، هو.
نزلت من السيارة.
وضعت حقائبي بجوار مجموعة المصريين.
ثم مضى السائق.
وبقيت واقفًا لا أعرف ماذا أفعل.
نظر إليّ أحد الرجال.
عرفت اسمه فيما بعد، وكان اسمه كرم.
وكان فعلًا كريمًا كما حمل اسمه.
سألني: أنت جئت إلى من؟
فقلت له اسم الشخص الذي جئت من أجله.
كنت متعبًا جدًا.
كنت أحتاج إلى النوم بشدة.
فقلت له: ممكن أن أنام عندك؟
فقال لي: ممكن.
ثم فرش لي مكانًا أنام فيه.
وسألني: هل تعشيت؟
فقلت له: لا، لم آكل.
فذهب وأحضر لي الحليب والطعام.
تعشيت.
ثم نمت.
وفي صباح اليوم التالي، أوقف لي سيارة أجرة، وأوصلني إلى نادي دارنس.
وهناك تعرفت على أحد أقاربي.
ثم تركني الرجل ومضى.
كان ذلك أول يوم لي في الغربة.
يومًا طويلًا لا يشبه أي يوم عشته من قبل.
كنت قد خرجت من قريتي وأنا أحمل حقيبة صغيرة.
لكنني كنت أحمل في داخلي شيئًا أثقل من الحقيبة بكثير.
كنت أحمل صورة أبي وهو يهرب من أمامي.
وصوت أمي وهي تبكي.
وصورة القرية.
وصوت الجيران.
ورائحة الأرض.
وذكريات طفولتي.
وكلما ابتعدت عن الوطن، شعرت أن الغربة لا تقيس المسافة بين بلدين فقط.
الغربة تقيس المسافة بين قلبك وكل شيء كنت تحبه.
وفي تلك الليلة لم أكن أعرف أن الطريق الذي بدأته لن يكون طريقًا سهلًا.
لم أكن أعرف أنني سأواجه تعبًا جسديًا، وتعبًا فكريًا، وحرمانًا، وأيامًا طويلة من الانتظار.
ولم أكن أعرف أن الغربة ستعلمني أشياء كثيرة عن الإنسان، وعن الوطن، وعن المال، وعن الفقر، وعن قيمة الأب والأم، وعن معنى أن تكون بعيدًا ولا تجد من يسأل عنك.
كنت أظن أنني ذاهب لأعمل فقط.
لكنني كنت في الحقيقة ذاهب لأبدأ فصلًا جديدًا من حياتي.
فصلًا لم أكن أعرف نهايته.
حياة مغترب الجزء الثالث: وداع الأب والوطن وبداية رحلة الغربة عام 1991
وصف الميتا
مغترب يبدأ رحلته عام 1991 بعد وداع أسرته وقريته، ويواجه لأول مرة طريقًا مجهولًا نحو الغربة، بين الخوف والحرمان والأمل.
لم يكن يعرف أن هروبه من عيني أبيه سيكون آخر وداع بينهما، ولم يكن يعرف أن الطريق الذي بدأه بحقيبة صغيرة سيحمل معه سنوات من الحرمان والشقاء. خرج من قريته بحثًا عن الرزق، لكنه دخل عالم الغربة دون أن يعرف أن الغربة

