
الباحثة : جنان الخفاجي
ثمة لحظات لا تحتاج فيها الروح إلى شيء سوى أن تصمت قليلا، أن تبتعد عن ضجيج العالم، وتمنح نفسها مساحة تستعيد فيها اتزانها. فوسط الركض المستمر خلف تفاصيل الحياة، ننسى أحيانا أن أرواحنا تحتاج هي الأخرى إلى استراحة، وأن الهدوء ليس فراغا، بل مساحة نعيد فيها اكتشاف أنفسنا.
لا يأتي السلام دائما من حدث كبير أو تغيير مفاجئ، فقد يسكن في تفاصيل صغيرة نعبرها كل يوم من دون أن ننتبه إلى جمالها. قد يكون في فنجان قهوة نحتسيه على مهل في صباح هادئ، أو في ضوء الشمس حين يتسلل من نافذة قديمة، فيملأ المكان دفئا، أو في لحظة تأمل صامتة نشعر فيها بأننا، ولو لبعض الوقت، بعيدون عن كل ما أثقل أرواحنا.
ربما لهذا تبدو البدايات الجميلة أكثر صدقا حين تأتي بعد تعب. فحين نصل إلى مرحلة نصغي فيها إلى ذواتنا، ندرك أن كثيرا مما أرهقنا لم يكن يستحق كل ذلك القلق، وأن الحياة لا تحتاج منا دائما إلى الركض، بل تحتاج أحيانا إلى أن نتوقف، وننظر حولنا، ونمنح الأشياء البسيطة حقها من الانتباه.
إن التصالح مع الذات لا يعني أن تختفي المتاعب، وإنما أن نتعلم كيف نواجهها بقلب أكثر هدوءا ونظرة أكثر اتزانا. وأن نعرف أن الامتنان ليس إنكارا لما يؤلمنا، بل قدرة على رؤية ما لا يزال جميلا رغم كل شيء.
ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه لأنفسنا هو تلك الوقفة الهادئة التي نرتب فيها فوضى الداخل، ونستعيد فيها صوتنا الذي أضعفه ضجيج الأيام.
فالحياة لا تمنحنا دائما فرصة للبدء من جديد بالطريقة التي نريدها، لكنها تترك لنا دائما مساحة صغيرة نبدأ منها… من داخلنا.

