سنوات العطاء لا تتقاعد أربعة فرسان من شطورة في ليلة وفاء
كتب ضاحى عمار
يترك الإنسان وظيفته ذات يوم، لكنه لا يترك بالضرورة أثره في حياة من عرفوه؛ فالمناصب تنتهي، والمكاتب تتغير، أما السيرة الطيبة فتبقى شاهدة على صاحبها، تروي للأجيال ما قدمه الرجال حين كانت المسؤولية أمانة، والعمل واجبًا، ومساعدة الناس خلقًا لا ينتظر صاحبه مقابلًا.
من هذا المعنى جاءت ليلة الوفاء في قرية شطورة شمال محافظة سوهاج مركز طهطا، احتفاءً بأربعة من أبنائها بلغوا سن التقاعد، بعدما أمضوا سنوات من العمل والعطاء، وهم الأستاذ عادل الجرادي، والأستاذ أحمد عبد الحافظ التمساح، والأستاذ عزوز بخواجي، والأستاذ زين عبد الحكم.
احتضنت قاعة بلازا ستا بقرية شطورة الاحتفالية، وسط حضور من أبناء القرية والقرى المجاورة وعدد من أبناء مراكز محافظة سوهاج، الذين حرصوا على مشاركة المكرمين هذه اللحظة، وتقديم التهاني لهم، في مشهد عكس ما يحتفظ به الناس لأبناء بلدهم من تقدير ومحبة.
ولم يكن الحضور مجرد مشاركة في مناسبة اجتماعية، بل جاء تعبيرًا عن الاعتراف بما قدمه المكرمون طوال سنوات عملهم، وما تركوه من علاقات ومواقف ستظل حاضرة في ذاكرة من عاصروهم.
برز الأستاذ عادل الجرادي طوال سنواته في خدمة أهله، ولم يحصر دوره في حدود عمله، وإنما فتح لنفسه طريقًا آخر عنوانه مساعدة المحتاجين والسعي في مصالح أبناء بلدته.
فقد عمل على التواصل مع الجمعيات وأهل الخير وجذب المبادرات الخيرية إلى شطورة، حتى تصل المساعدات إلى مستحقيها، من المواد الغذائية والمؤن إلى الملابس والكساء، كما كان حاضرًا في مناسبات العزاء، حريصًا على مساندة الأسر والوقوف إلى جوارها في أوقاتها الصعبة.
وكانت قيمة هذا الدور في أنه لم يكتفِ بتقديم المساعدة حين تتاح، بل سعى إلى إيجاد مصادر جديدة للخير، وربط القادرين على العطاء بمن يحتاجون إليه، لتتحول جهوده إلى منفعة تمتد إلى عدد كبير من أبناء القرية.
أما الأستاذ زين عبد الحكم، فقد امتلك تجربة ثرية جمعت بين التعليم والخبرة والكتابة والعمل الصحفي؛ فهو معلم وخبير وكاتب ومراسل صحفي وعضو اتحاد الكتاب العرب، وهي جوانب متعددة التقت في شخصية واحدة، وأكسبته حضورًا مميزًا بين أبناء المحافظة.
وعلى امتداد سنوات عمله الصحفي، ظل قريبًا من الشارع، يتنقل بين مدن ومراكز وقرى سوهاج، يتابع الأخبار، ويرصد القضايا، ويسعى إلى نقل صوت المواطنين، واضعًا خبرته في خدمة الكلمة التي يرى أنها مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
استفاد كثير من القراء من مقالاته وتحقيقاته وتحليلاته الصحفية، التي لم تقتصر على نقل الحدث، وإنما اهتمت بتفاصيله وأبعاده، وهو ما منح كتاباته قيمة لدى متابعيه.
وكان حضوره في المشهد الصحفي قائمًا على المتابعة المستمرة، والبحث عن المعلومة، والاقتراب من الناس، وهو ما جعل قلمه حاضرًا في العديد من القضايا والأحداث التي شهدتها المحافظة.
وللأستاذ أحمد عبد الحافظ التمساح والأستاذ عزوز بخواجي كذلك رصيدهما من العلاقات والمواقف التي صنعت لهما مكانة بين أبناء شطورة، فقد عُرفا بحسن الخلق والتعامل الطيب، واحترام الكبير وتقدير الصغير، والحرص على تقديم العون كلما سنحت الفرصة.
وهكذا حمل كل واحد من الفرسان الأربعة جانبًا من جوانب الحياة التي تستحق التقدير؛ فالعمل، والخبرة، وخدمة المجتمع، ومساعدة الناس، وحسن الخلق، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تجتمع في مسيرة واحدة تصنع قيمة كبيرة.
يحمل التقاعد بطبيعته معنى الانتقال من مرحلة إلى أخرى، لكنه بالنسبة إلى هؤلاء الأربعة يبدو أقرب إلى فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات طويلة من العمل، والبدء في حياة أكثر هدوءًا، دون أن تنقطع صلتهم بمجتمعهم أو بالأشخاص الذين كانوا جزءًا من رحلتهم.
وكانت أجواء الاحتفال مليئة بالذكريات والتهاني والمشاعر الصادقة، بينما حرص الحاضرون على التعبير عن أمنياتهم للمكرمين بحياة قادمة عامرة بالصحة والسعادة وراحة البال.
كذالك، لا يبقى للإنسان من رحلته المهنية عدد السنوات التي قضاها في العمل فقط، وإنما ما صنعه خلالها من أثر، وما تركه في نفوس الآخرين من احترام، وما قدمه لمجتمعه من فائدة.
وهذا هو المعنى الأجمل الذي حملته ليلة تكريم عادل الجرادي، وأحمد عبد الحافظ التمساح، وعزوز بخواجي، وزين عبد الحكم؛ أربعة رجال يطوون صفحة العمل الرسمي، لكنهم يفتحون صفحة أخرى عنوانها الخبرة والتواصل وخدمة الناس.
فليست أجمل النهايات تلك التي يتوقف عندها الطريق، وإنما التي تفتح بابًا جديدًا لمزيد من الخير؛ لأن العطاء الحقيقي لا تحدده وظيفة ولا يرتبط بمكتب، وإنما يسكن في الإنسان، ويظل قادرًا على أن يكبر كلما امتدت يد بالخير، أو نطق قلم بالحق، أو وقف صاحب قدرة إلى جوار من يحتاج إليه.
وتبقى شطورة، في هذه الليلة، شاهدة على أن تكريم الإنسان لا يكون بما حمله من منصب، وإنما بما تركه من أثر؛ وأن أجمل ما يمكن أن يورثه المرء لأهله وبلدته هو سيرة طيبة تستحق أن تُروى، وعطاء يستحق أن يستمر.
سنوات العطاء لا تتقاعد أربعة فرسان من شطورة في ليلة وفاء


