
**بقلم / عايد حبيب جندي الجبلي**
أما تصيح وتلملم ما تبقّى من طفلها،
أتتها سفينة نوح، رمزًا للسلام،
وغصنُ زيتونٍ، والحمامةُ جاءَتْ بها،
وبشّرتها الأرضُ بالخير،
لكن الحروب هي التي دمّرتها.
أمٌّ تجبر ما تبقّى من طفلها،
وأملٌ كبيرٌ في مخيّلتها،
تحلم أن يمضي مجددًا،
ويمرح ويلعب بجوارها.
أما تنوح بالبكاء
على أشجار الزيتون التي نزعوها
من باحة منزلها؟
يا أمّه، كلما زرعنا شجرة زيتون،
يأتون وينزعونها،
ويشعلون الحريق.
قلبان يتألّمان حين ترى الأطفال
يبكون على لقمة عيشٍ في الطريق.
يا أمّ البترول،
كم لقمةً ترمونها في الريق،
وكم طفلٍ جائعٍ
ومنازلُ أهله مشتعلةٌ بالحريق!
أهذا عدلٌ معكم؟
تنفقون أموالكم في البارات،
وما أخفاه مع الصديقة والصديق،
ويقولون يومًا: نريد السلام،
لكنهم يضلّون الطريق.
وأمُّ الطفل لا تستطيع
أن تلملم جروح ابنها،
وقد مات في الطريق.
شرح النص
النص عبارة عن صرخة إنسانية ضد الحرب والجوع والفقد، ويضع في مركزها صورة الأم التي تحاول أن تحافظ على ما تبقى من طفلها وبيتها وذكرياتها، بينما تأتي الحرب لتنتزع منها كل شيء.
يبدأ النص بصورة مؤثرة:
«أما تصيح وتلملم ما تبقّى من طفلها»
وهنا تظهر الأم في حالة من الانكسار؛ فهي لا تملك أمام الخراب سوى أن تجمع بقايا ما تبقى من ابنها، وكأن الحرب لم تكتفِ بهدم البيت، بل حاولت أن تهدم قلب الأم أيضًا.
ثم يستدعي الكاتب سفينة نوح والحمامة وغصن الزيتون، وهي رموز مرتبطة بالنجاة والسلام والأمل. وكأن الكاتب يقول إن الإنسان عرف منذ القدم معنى الخلاص بعد العاصفة، وعرف أن الحمامة وغصن الزيتون يمكن أن يكونا رسالة بأن الأرض ستستعيد حياتها.
لكن المفارقة تظهر عندما يقول إن الحروب هي التي دمّرت هذا الأمل. فبدل أن تكون شجرة الزيتون رمزًا للحياة والسلام، أصبحت في النص شيئًا يُقتلع ويحترق.
الأم رمز للوطن
الأم في النص ليست مجرد أم لطفل واحد، وإنما يمكن قراءتها رمزيًا باعتبارها صورة لكل أم فقدت ابنها بسبب الحرب، بل ويمكن أن تصبح رمزًا للأرض نفسها.
فحين يقول:
«كلما زرعنا شجرة زيتون يأتون وينزعونها ويشعلون الحريق»
فإن شجرة الزيتون هنا تمثل الجذور والبيت والأرض والذاكرة والسلام. وزرعها يعني محاولة بناء الحياة من جديد، بينما اقتلاعها وإحراقها يعني تكرار دورة الخراب.
الطفل والجوع
ينتقل الكاتب من الحرب إلى مأساة أخرى مرتبطة بها، وهي الجوع والفقر:
«حين ترى الأطفال يبكون على لقمة عيش في الطريق»
وهذه الصورة تكشف أن الحرب لا تقتل الإنسان بالسلاح فقط؛ فقد تترك خلفها طفلًا يبحث عن الطعام، وأسرة بلا مأوى، وأمًا عاجزة عن توفير أبسط احتياجات أبنائها.
وهنا تصبح لقمة العيش رمزًا للحق الأساسي في الحياة والكرامة.
مفارقة المال
من أكثر أجزاء النص حدة قوله:
«يا أمّ البترول، كم لقمة ترموها في الريق»
فالكاتب يستخدم صورة البترول للدلالة على الثروة والمال، ثم يضع بجانبها صورة الطفل الجائع. وهذه مفارقة مقصودة: ثروة هائلة من جهة، وطفل يبحث عن لقمة من جهة أخرى.
ثم ينتقد إنفاق الأموال على اللهو والمتع، في مقابل وجود أطفال يعيشون وسط الجوع والخراب. والمقصود هنا ليس المال في ذاته، وإنما السؤال الأخلاقي الذي يطرحه الكاتب: كيف يمكن أن يعيش البعض في الوفرة، بينما يعجز آخرون عن الحصول على أبسط ضروريات الحياة؟
السلام الذي لا يصل
في النهاية يقول الكاتب:
«يقولون يومًا في سلام، لكنهم يضلّون الطريق»
وهذه العبارة تلخص حالة التناقض التي يريد النص التعبير عنها؛ فهناك حديث مستمر عن السلام، لكن الواقع الذي تصفه القصيدة هو الاقتلاع والحريق والجوع والموت.
ثم تأتي النهاية الأكثر ألمًا:
«وأمُّ الطفل لا تستطيع أن تلملم جروح ابنها، وقد مات في الطريق.»
وهنا يعود النص إلى الأم مرة أخرى. بدأت القصيدة بأم تحاول أن تلملم ما تبقى من طفلها، وتنتهي بأم عاجزة عن تضميد جروحه بعد موته.
وهذا يعطي النص دائرة حزينة تبدأ بـ الأمل وتنتهي بـ الفقد.
الرموز الرئيسية في النص
- الأم: رمز للحب والصبر والفقد، ويمكن أن ترمز أيضًا إلى الوطن والأرض.
- الطفل: رمز للبراءة التي تدفع ثمن صراعات لا ذنب لها فيها.
- سفينة نوح: رمز للنجاة بعد المحنة.
- الحمامة: رمز للسلام والبشارة.
- غصن الزيتون: رمز للحياة والسلام والجذور.
- النار: رمز للدمار والحرب.
- لقمة العيش: رمز للحق الأساسي في الحياة والكرامة.
- البترول: رمز للثروة التي يضع الكاتب مقابلها مشهد الجوع.
- الطريق: رمز للرحلة القاسية التي يسير فيها الإنسان بحثًا عن النجاة.
الخلاصة:
النص ليس حديثًا عن الحرب فقط، بل عن الإنسان عندما تُسلب منه أبسط حقوقه: البيت، والطعام، والأمان، والابن، والأرض. ويضع الكاتب الزيتونة في مواجهة النار، والحمامة في مواجهة الحرب، والطفل في مواجهة الجوع؛ ليؤكد أن الإنسان يستطيع أن يزرع الأمل، لكن استمرار العنف قادر على اقتلاعه إذا لم يُحمَ السلام.
وأقوى صورة في النص هي صورة الأم التي تحاول أن تجمع ما تبقى من ابنها؛ لأنها تختصر مأساة الحرب كلها في مشهد إنساني واحد.

