في مقهى الفلاسفة… أزمة الفكر

بقلم محمد عطا القطيعي
في أحد المقاهي التي لا تُقدَّم فيها القهوة وحدها، بل تُسكب فيها الأسئلة قبل الأجوبة، جلس الفلاسفة يتأملون العالم. لم يكن حديثهم عن الحروب أو الاقتصاد أو السياسة، بل عن الإنسان نفسه. وعندما سُئل أحدهم: ما أخطر أزمة يعيشها الإنسان؟ أجاب بهدوء: إنها أزمة الفكر.
وأزمة الفكر ليست نقصًا في الذكاء، ولا قلةً في المعلومات، بل هي اللحظة التي يعجز فيها العقل عن رؤية الحقيقة، أو يرفض أن يبحث عنها. إنها حين يتحول الإنسان إلى مكررٍ لما يسمع، لا صانعٍ لما يؤمن به، وحين تصبح القناعات جامدة لا تقبل السؤال ولا المراجعة.
الفكر هو البوصلة التي تهدي الإنسان إلى الطريق، فإذا اضطربت البوصلة ضاع المسافر، مهما كان قويًا أو غنيًا أو متعلمًا. ولذلك فإن انهيار الأفكار يسبق في كثير من الأحيان انهيار الحضارات، لأن الأمم لا تسقط حين تفتقر إلى المال، بل حين تفتقر إلى الوعي.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس اختلاف الآراء، وإنما غياب التفكير، وليس تعدد الأفكار، وإنما احتكار الحقيقة. فحين يخاف الإنسان من السؤال، ويكتفي بما يُقال له، تبدأ أزمة الفكر في التسلل إلى حياته، فيفقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المعرفة والوهم.
ولهذا ظل الفلاسفة يؤمنون بأن السؤال هو بداية الحكمة، وأن الشك المنهجي طريق إلى اليقين، وأن العقل الذي يتوقف عن التساؤل يبدأ في الشيخوخة، مهما كان صاحبه صغير السن.
لعل أزمة الفكر ليست أزمة عصرٍ بعينه، بل هي امتحان يتكرر مع كل جيل. فمن ينتصر لعقله، ينتصر لمستقبله، ومن يستسلم للجمود، يبقَ أسيرًا للماضي. ولذلك تبقى أعظم ثروة يملكها الإنسان ليست ما في يده، بل ما في عقله من وعي، وما في قلبه من شجاعة للبحث عن
————القطيعى الشريف———–

