
الكاتب \عايد حبيب جندي الجبلي
القصيدة تقوم على **مفارقة أخلاقية ووجودية مؤلمة
هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَشْتَرِي ضَمِيرِي لِكَيْ أَجْلِبَ قُوتِي وَقُوتَ أَبْنَائِي؟
وَأَمْضِي فِي الطَّرِيقِ بِحَذَرٍ..
فَأَبِيعُ ضَمِيرِي، خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أَمْضِيَ بِلَا سَنَدٍ.
مَاذَا أَفْعَلُ بِالضَّمِيرِ إِذَا كَانَ الكُلُّ يَمْضِي بِلَا هَمَدٍ؟
صِرَاعٌ مِنْ أَجْلِ النُّقُودِ، وَغَابَ الشُّكْرُ وَالحَمْدُ.
أَجْسَادُنَا تَطْفُو فَوْقَ المِيَاهِ، لَا نَسْتَطِيعُ لَهَا عَدَّاً.
مَنْ يَشْتَرِي ضَمِيرِي أَمْضِي مَعَهُ بِهُدْنَةٍ وَبِجَلَدٍ،
وَوَيْحِي مِنَ التَّمَرُّدِ يَجْلِبُ حَاجَتِي وَبِهَا السَّدَدُ.
إِذَا كَانَ الكُلُّ مَرْبُوطَاً بِصِرَاعِ الطَّمَعِ، وَمُتَثَبِّتَاً بِالوَتَدِ،
فَكَيْفَ يَعِيشُ ضَمِيرٌ فِي وَسَطِ مَوْتَى قَدْ قَضَتْ؟
اذْهَبْ أَيُّهَا الضَّمِيرُ، لَا خَوْفٌ عَلَيْكَ وَلَا حَسَدٌ،
وَأَسْكُنْ بِجِوَارِهِمْ، فَلَا عِتَابَ عَلَيْكَ وَلَا جَدَلٌ.
هَكَذَا تَتَعَايَشُ فِي وَسَطِ الكَائِنِينَ بِلَا عَتَبٍ،
كُنْ حُرَّاً.. لِحِينِ أَنْ تَبْقَى المِيَاهُ نَارَاً مِنَ الغَضَبِ!
القصيدة الوجودية!
هذه القصيدة تقوم على **مفارقة أخلاقية ووجودية مؤلمة**: الإنسان يعرف قيمة الضمير، لكنه يجد نفسه محاصرًا بضرورات الحياة، والفقر، وحاجة الأبناء، وفي مجتمع يبدو فيه المال أقوى من القيم. لذلك يصبح السؤال المركزي: **ماذا يفعل الإنسان بضميره عندما تتحول الحياة إلى صراع من أجل البقاء؟**
### شرح القصيدة
تبدأ القصيدة بسؤال صادم:
> **«هل منكم أحدٌ يشتري ضميري لكي أجلب قوتي وقوت أبنائي؟»**
الكاتب لا يقصد بيع الضمير بمعناه الحرفي، وإنما يستخدم **البيع رمزًا للتنازل عن المبادئ مقابل لقمة العيش**. وهنا تظهر المأساة منذ البداية: هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على مبادئه عندما تصبح حاجته إلى الطعام وتأمين أبنائه أقوى من قدرته على الاحتمال؟
فالضمير في القصيدة ليس مجرد إحساس داخلي، بل هو **آخر ما يملكه الإنسان من كرامة أخلاقية**.
### «أمضي في الطريق بحذر»
هذه العبارة تعكس حالة إنسان يعيش في عالم لا يشعر فيه بالأمان. فهو لا يمشي مطمئنًا، وإنما يراقب خطواته، لأنه يعرف أن الطريق مليء بالمغريات والضغوط والتنازلات. ولهذا تأتي فكرة:
> **«فأبيع ضميري، خيرٌ لي من أن أمضي بلا سند»**
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالكاتب يضع القارئ أمام إنسان يرى نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين **الضمير والحاجة**.
وهذا ليس تمجيدًا لبيع الضمير، بل تصوير للمأزق الذي قد يصل إليه الإنسان عندما تضيق به الحياة. الصراع من أجل النقود
عندما تقول القصيدة:
> **«صراعٌ من أجل النقود، وغاب الشكر والحمد»**
ينتقل النص من تجربة الفرد إلى نقد الواقع الاجتماعي.
فالمال في القصيدة لم يعد وسيلة للحياة، بل أصبح عند بعض الناس **غايةً تبتلع القيم**. وكلما اشتد الصراع عليه، تراجعت أشياء أخرى مثل القناعة والشكر والرحمة.
وهنا يظهر السؤال الضمني:
**إذا أصبح المال هو المقياس الوحيد، فأين يذهب الإنسان؟**
### صورة «الأجساد التي تطفو فوق المياه»
هذه من أكثر الصور قسوة في النص:
> **«أجسادنا تطفو فوق المياه، لا نستطيع لها عدًّا»**
الصورة تحمل معنى الخراب الإنساني، ويمكن فهمها رمزيًا على أنها أجساد أناس أنهكتهم الحياة، أو ضحايا لصراع لا ينتهي.
الماء هنا ليس بالضرورة ماءً حقيقيًا فقط؛ يمكن أن يصبح رمزًا لـ**بحر الحياة الذي يحمل ضحاياه دون أن يتوقف**.
وكأن الشاعر يقول إن كثرة المآسي أصبحت أكبر من قدرة الإنسان على إحصائها.
### «من يشتري ضميري؟»
تكرار فكرة شراء الضمير يجعل الضمير نفسه وكأنه **شخصٌ يبحث عن مشترٍ**.
وهذه مفارقة مؤلمة؛ فالشيء الذي يفترض أن يكون أغلى ما في الإنسان أصبح في عالم القصيدة معروضًا للبيع.
لكن وراء هذه الصورة سؤال أعمق:
**هل يستطيع الإنسان أن يعيش في مجتمع يبيع فيه الجميع شيئًا من مبادئهم، بينما يصر و على الاحتفاظ بضميره؟**
### معنى «بجلد»
في قولك:
> **«أمضي معه بهدنةٍ وبجلد»**
كلمة **«بجَلَد»** تعني **بالصبر والتحمل والثبات وقوة الاحتمال**.
أي أن المقصود:
**أمضي معه بصبر وتحمل، رغم صعوبة الطريق.**
وهذا يختلف عن **«يَجلِد»** التي تعني يضرب أو يعاقب بالجلد.
### «صراع الطمع» و«الوتد»
> **«إذا كان الكل مربوطًا بصراع الطمع، ومتثبتًا بالوتد»**
يستخدم الشاعر صورة رمزية قوية؛ فالوتد شيء يثبت الشيء في مكانه، ولذلك يصبح **الطمع كالوتد الذي يربط الإنسان بعالمه المادي ويمنعه من التحرر**.
وهنا لا يعود الإنسان هو الذي يملك المال، بل يصبح المال والطمع هما اللذان يملكان الإنسان.
### «فكيف يعيش ضمير في وسط موتى؟»
هذه العبارة هي **قلب القصيدة الفلسفي**.
الموت هنا ليس بالضرورة موت الجسد، وإنما **موت القيم داخل الإنسان**.
فالشاعر يتحدث عن أناس أحياء بأجسادهم، لكنهم فقدوا شيئًا من إنسانيتهم، ولذلك يسميهم مجازًا «موتى».
وهنا تتقاطع القصيدة مع مفهوم **الموت المعنوي**: أن يعيش الإنسان بجسده، بينما تموت داخله القيم والرحمة والضمير.
### «اذهب أيها الضمير»
في الجزء الأخير يتحول الخطاب إلى حوار مباشر مع الضمير:
> **«اذهب أيها الضمير، لا خوفٌ عليك ولا حسد»**
وكأن الشاعر وصل إلى مرحلة من الإنهاك جعلته يخاطب ضميره باعتباره كائنًا مستقلًا. ثم يقول:
> **«وأسكن بجوارهم، فلا عتاب عليك ولا جدل»**
وهنا نلاحظ **مفارقة ساخرة ومؤلمة**: إذا كان المجتمع قد اعتاد غياب الضمير، فإن صاحب الضمير نفسه قد يبدو غريبًا بينهم.
### «كن حرًا»
النهاية:
> **«كن حرًّا.. لحين أن تبقى المياه نارًا من الغضب!»**
تحمل صورة شعرية شديدة الفلسفه التوتر. فالماء عادةً رمز للهدوء والحياة، لكن تحوله إلى **نار** يجمع بين عنصرين متناقضين، وهذا يعكس عالم القصيدة نفسه: عالمٌ اختلطت فيه الأشياء حتى أصبح الهدوء غضبًا، والحياة صراعًا، والضمير عبئًا.
### الفكرة الوجودية في القصيدة
القصيدة ليست عن المال وحده، ولا عن الفقر وحده، وإنما عن **صراع الإنسان بين أن يعيش وأن يبقى إنسانًا**.
فالكاتب يضع أمامنا ثلاث حاجات متصارعة:
**الحاجة إلى البقاء → الحاجة إلى المال → الحاجة إلى الحفاظ على الضمير.**
ومن هنا تأتي الوجودية في النص؛ لأن السؤال الحقيقي ليس:
**«كيف أحصل على المال؟»**
بل:
**«كيف أعيش دون أن أخسر نفسي؟»**
وهذا يجعل الضمير في القصيدة رمزًا للهوية الداخلية للإنسان. فإذا خسر الإنسان ماله فقد يستطيع تعويضه، وإذا خسر عمله فقد يجد عملًا آخر، لكن السؤال الأصعب هو: **ماذا يبقى منه إذا خسر ضميره؟**
### الخلاصة النقدية
القصيدة تصور **اغتراب الضمير داخل مجتمع تحكمه الحاجة والطمع والصراع على المال**. وهي لا تقدم إجابة مباشرة، بل تضع القارئ أمام مأزق أخلاقي مفتوح.
وأقوى ما فيها هو **المفارقة**: الإنسان يريد بيع ضميره لكي يعيش، ثم يكتشف أن الحياة بلا ضمير قد تكون نوعًا آخر من الموت.
لذلك يمكن وصفها بأنها:
**قصيدة وجودية اجتماعية، تتخذ من الضمير رمزًا لصراع الإنسان بين لقمة العيش والكرامة، وبين البقاء الجسدي والبقاء الإنساني.**

