هنا نابل
المعز غني
حديثُنا قياس
حين نفتح أفواهنا لا نُطلق كلماتٍ عابرة فحسب ، بل نُطلق مرايا تعكس أعماقنا … فحديثُنا قياسٌ لقلوبنا ، وميزانٌ صامتٌ لأرواحنا ، وبصمةٌ تُخبر العالم من نكون دون حاجةٍ إلى تعريف .
المال ، وإن لمع في الأيدي ليس إلا عكّازًا لعبور دروب الحياة ، لا تاجًا يُزيّن الرأس ولا سلّمًا يُعلّق عليه الإنسان قيمه.
كم من غنيٍّ أفقرته روحه ، وكم من فقيرٍ أُغنيت دنياه بنبل أخلاقه.
الغنى الحقيقي ليس ما نحمله في الجيوب ، بل ما نحمله في الضمائر ؛ ليس ما نعدّه بالأرقام ، بل ما نزرعه من أثرٍ جميل في قلوب الآخرين .
فاجتهد … لا لتُصفّق لك الحشود ، بل لتُصافح ذاتك بصدق .
أبتكر … لأن الروح التي تبتكر لا تشيخ .
أبدع … لأن الإبداع صلاةٌ خفيّة بين الإنسان والكون .
وأجعل العالم يرى أفضل ما لديك ، لا طلبًا للإعجاب ، بل وفاءً للأمانة التي وهبك الله إيّاها .
لا تتسلّق الجبال ليراك العالم ، فالعالم مشغولٌ بصخوره وأعاصيره … تسلّقها لترى أنت العالم ؛ لترى صِغَرَ الضغائن ، وهشاشة الأحقاد ، وأتساع الأفق حين ترتفع فوق صخب التفاصيل.
هناك على القمّة ، ستدرك أن القوة ليست في الصعود ، بل في السلام الذي تحمله وأنت تنظر للأسفل دون غرور .
الحياة ليست سباقًا نلهث فيه خلف المجهول ، بل رحلةٌ مُعمّدةٌ بالقدر ، منسوجةٌ بخيوط الحكمة الإلهية.
ما كان لنا أن نفوته لن نفوته ، وما لم يُكتب لنا لن نناله ولو طاردناه عمرًا كاملًا.
أقدارنا مُسطّرةٌ بحبرٍ لا يخطئ ، وأعمارنا محدودةٌ بنبضٍ لا يملك أحدٌ تمديده ، ورزقنا موزونٌ بميزانٍ دقيق لا يزيد ولا ينقص .
فلنمضِ إذن … لا بخطى القلق ، بل بخطى الطمأنينة .
لا بعينٍ جائعةٍ للمزيد ، بل بقلبٍ شاكرٍ للنصيب .
نأخذ من الطريق درسًا ، ومن العثرة حكمة ، ومن الألم نضجًا، ومن الفرح إمتنانًا .
السعادة ليست غياب الحزن ، ولا أنطفاء الدموع ، بل القدرة على حملها بوقار.
أن نبكي حين يضيق الصدر ، وننهض حين تشتد الريح ، ونرضى حين يتأخر العطاء ، ونشكر حين يفيض.
السعادة هي أن نصالح أقدارنا دون أن نُخاصم أحلامنا ، وأن نتعايش مع تقلبات الحياة ونحن موقنون أن وراء كل لحظةٍ لطفًا خفيًّا .
حديثُنا قياس …
فليكن حديثنا رحيمًا ، لأن القلوب عطشى للرحمة .
وليكن صادقًا ، لأن الكذب ثقلٌ لا يحتمله الطريق .
وليكن عميقا ، لأن السطحية تغرق صاحبها في أول موجة
نحن أبناءُ الرحلة لا أبناءُ السباق ، وأبناءُ المعنى لا أبناءُ الضجيج. وما دام في الصدر نفسٌ ، وفي الروح نورٌ ، وفي القلب رجاء … فسنمضي، شاكرين ، حامدين ، راضين، نكتب أقدارنا بأخلاقنا . ونقيس أنفسنا بحديثنا .
هنا نابل


