
الكاتب/عايد حبيب جندي الجبلي
لا يستند إلى مخطوطةٍ تاريخية مقال من وحي الكاتب أو دليلٍ يثبت أن المصريين القدماء استلهموا فكرة التحنيط من بذور الزراعة، بل وُلِدت الفكرة في ذهنه من
مشهدٍ بسيط وعميق: حبة القمح المجففة، تلك التي تُخزَّن عامًا كاملًا في صوامع الطين، ساكنةً بلا روح، تنتظر موسم المطر واليد التي تعيد إليها نبضها. تخيَّل الكاتب الفلاح المصري القديم وهو يفتح كفَّه الخشنة، ينثر الحبوب على صدر الأرض، فيرشّها بالماء، فتستيقظ من موتها الجاف، وتنمو من جديدٍ كأنها تُبعث للحياة مرةً أخرى. من هذا المشهد قال الكاتب: لعل المصريين القدماء
لاحظوا أن البذور الميتة ظاهريًا تعود للحياة بعد حفظها وتجفيفها، فخطر لهم أن الجسد أيضًا قد يحمل سرَّ العودة، إن أُحسِن حفظه وصيانته. يحكم العقلُ البشريُّ المحدودُ رؤيتَه للوجود من زاوية إدراكه القاصر، فيُسقِط على الطبيعة صفاتٍ يظنها تشبه روحه، فيرى في النبات حياةً تُشبه النَّفَس، لكنها ليست النفس ذاتها. فالنبات في نظر الإنسان يولد بروحٍ عابرة، تُنبتها المواسم، وتُميتها الفصول، وتنطفئ حين يحينُ أوانُ الحصاد، كما تنطفئ شعلةٌ قصيرةُ العمر في مهبّ الريح. يراقب الإنسانُ النبتةَ منذ انبثاقها، فيتوهم أنه شاهد ميلادَ روحها بين جذورها الممتدة في باطن الأرض، تلك الجذور التي تتلوّى كأفعى
بيضاء تُعانق التراب! فإذا اقتُلعت، انهارت الحياةُ فيها، كما ينهار الجسدُ الإنسانيُّ إن فارقته الرأسُ التي تحملُ وعيَه وتفكيره! ومن هنا نشأت المقولةُ بأن للنبات روحًا… لكنها روحٌ تختلفُ عن الروح الإنسانية اختلافَ الفجرِ عن الظلال؛ فروح الإنسان واعية، مدركة، عاقلة، تميّزُ ذاتها
وتعرفُ خالقها، وقد منحها اللهُ له وحده – سبحانه وتعالى، وتعالى مجده! أما روح النبات فهي روحٌ موسمية، تنبضُ مع المطر، وتخبو مع الجفاف، وتعودُ إذا شاءت لها دورةُ الحياةِ أن تستأنفَ مسيرها. ويؤكد الكتابُ المقدسُ هذا التمايز، فيُعلي من شأن الروح البشرية، بوصفها جوهرَ الوعي الذاتي، وموطنَ التمييز والإدراك، ويقرّر أن الإنسان
وحدهُ هو الكائنُ الذي يجتمعُ فيه الروحُ والنفسُ والجسدُ بمعنىً كاملٍ واعٍ، لا تشاركه فيه بقيةُ المخلوقات. ومن تأمّل المصريين القدماء لدورة الزرع، وخصوصًا حبة الحنطة التي تُخزَّن بعد الحصاد في الصوامع أو في أجولة الخيش، بعيدًا عن الهواء والحشرات، تولّدت لديهم فكرةُ العودة بعد السكون! كانوا يرون أن البذرة الجافة المتحجرة، إذا رُشّت بالماء في موسم الزراعة، تعودُ فتنبتُ
من جديد، وكأن روحًا ما قد دُبّت فيها ثانية! فآمنوا أن ما يصحُّ على الحبةِ قد يصحُّ على الجسد! ومن هنا اقتبسوا فلسفةَ التحنيط؛ أن يُحفَظ الجسدُ جافًا وصلبًا، في انتظار لحظةٍ تُعادُ فيها إليه الروحُ، كما تُعادُ الحياةُ للبذرة حين تحتضنها الأرض! وكانوا يعتقدون أن إلهَ الخصوبة يسكنُ
المدفونَ في التراب، فيُعيد له الحياة، كما يعيدُ للنبات خضرتهُ بعد سباتِه في أحشاء التربة. وهكذا امتزجت العقيدةُ بالأسطورة، فتجذّر لديهم يقينُ عودةِ الأسلاف، كلُّ روحٍ بحسب طبيعتها، وكلُّ حياةٍ وفق ما رسمتهُ لهم مخيّلتُهم في العقيدة المقدسة! الفرعونية

