العالم على حافه الهاويه .. حين تتقدم القوه ويتراجع القانون
بقلم محمد عطا القطيعي
فالحروب، مهما اختلفت ميادينها وأسبابها، تنتهي ذات يوم إلى طاولة تفاوض، أو إلى اتفاق، أو إلى هدنة، أو إلى انتصار طرف وانكسار آخر.
أما السؤال الأشد عمقًا وخطورة فهو:
إلى أين يتجه العالم نفسه؟
ذلك أن ما يجري حولنا لم يعد مجرد صراع بين دول، ولا مجرد نزاع على حدود أو نفوذ، وإنما يبدو في كثير من مشاهده كأنه إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة، ولخريطة المصالح، وللقواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة.
العالم يتغير أمام أعيننا.
والقوة تعيد ترتيب مقاعدها، والمصالح تعيد رسم خرائطها، والثروة تبحث عمن يحميها، والممرات البحرية أصبحت جزءًا من معادلات الأمن، والطاقة تحولت إلى ورقة سياسية، والتكنولوجيا إلى ميدان للصراع، والمعلومة إلى سلاح لا يقل أثرًا عن السلاح التقليدي.
وفي وسط هذا كله يقف القانون الدولي، يحمل نصوصه ومواثيقه، ويسأل البشرية سؤالًا قديمًا متجددًا:
هل يستطيع القانون أن يقف وحده في مواجهة القوة؟
عندما يصبح القانون أضعف من الواقع
منذ أن عرف الإنسان الحرب، وهو يحاول أن يضع لها حدودًا.
وحين أنشأت البشرية منظومة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الفكرة الأساسية أن العالم لا ينبغي أن يترك مصيره لمنطق القوة وحده؛ وأن العلاقات بين الدول يجب أن تخضع لقواعد ومواثيق، وأن النزاعات ينبغي أن تجد طريقها إلى التفاوض والحلول السلمية.
لكن المشكلة ليست دائمًا في وجود القانون، وإنما في القدرة على إنفاذه.
فالقانون الذي لا يجد قوة تحميه قد يتحول إلى نص جميل في كتاب، بينما الواقع يكتب نصًا آخر على الأرض.
وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات العصر:
كلما ازدادت القوة العسكرية والتكنولوجية قدرةً على تدمير العالم، ازدادت حاجة البشرية إلى قانون قادر على ضبطها.
فليس الخطر في وجود القوة، وإنما في أن تصبح القوة فوق المساءلة.
وليس الخطر في امتلاك الدول لمصالحها، وإنما في أن تتحول مصالح الأقوياء إلى قواعد يُطلب من الضعفاء وحدهم احترامها.
العالم لا يعيش حربًا واحدة
لم تعد الحرب في القرن الحادي والعشرين ترتدي الزي العسكري وحده.
هناك حرب على الأرض، وحرب في الفضاء الإلكتروني، وحرب على الأسواق، وحرب على الطاقة، وحرب على التكنولوجيا، وحرب على المعلومات، وحرب على العقول.
قد لا تسمع في بعض هذه الحروب صوت مدفع، لكنها تستطيع أن تهز اقتصاد دولة، أو تعطل منشأة، أو تغير اتجاه الرأي العام، أو تضغط على قرار سياسي.
لقد أصبحت الدولة التي تملك المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد القوي قادرة على خوض معارك كثيرة دون أن تطلق رصاصة واحدة.
ومن هنا فإن الصراع على المستقبل قد يكون أشد من الصراع على الماضي.
فمن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا والطاقة والمعرفة والممرات الاستراتيجية، يمتلك جانبًا مهمًا من مفاتيح القوة في العالم الجديد.
القوى الكبرى.. عالم المصالح لا عالم الأمنيات
في هذا المشهد تتحرك القوى الكبرى وفق شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والمنافسة.
الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الأوروبية وغيرها لا تتحرك في فراغ، وإنما في عالم تتقاطع فيه الحسابات الاقتصادية والأمنية والسياسية والاستراتيجية.
ولهذا فإن قراءة السياسة الدولية بمنطق الأبيض والأسود وحده قراءة ناقصة.
ليس كل ما يحدث مؤامرة، وليس كل ما يحدث بريئًا.
وليس كل اختلاف حربًا، وليس كل تحالف صداقة دائمة.
فالسياسة، في جوهرها، عالم من المصالح المتغيرة.
والدولة التي لا تعرف مصالحها، ولا تعرف كيف تحميها، ولا تعرف كيف تفاوض عليها، قد تتحول من لاعب إلى ورقة في يد الآخرين.
وهنا يجب أن نتوقف طويلًا.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن تخسر معركة، وإنما أن تفقد القدرة على صناعة قرارها.
فلسطين.. حيث يصبح السؤال إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا
وفي منطقتنا العربية، تبدو المأساة الفلسطينية واحدة من أكثر صور عجز النظام الدولي إيلامًا.
فالمشهد لم يعد مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
وراء كل رقم إنسان.
وراء كل بيت مدمر أسرة.
وراء كل طفل نازح حكاية.
وراء كل صورة من صور الركام سؤال عن معنى العدالة عندما يصبح المدني هو أول من يدفع ثمن الصراع.
ومن هنا فإن القضية الفلسطينية لا ينبغي أن تختزل في حسابات السياسة وحدها؛ لأنها، في جانبها الإنساني، أصبحت اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين، وعلى تحويل المبادئ التي تُكتب في المواثيق إلى واقع يشعر به الإنسان في حياته اليومية.
منطق الغابة ليس قدرًا للبشرية
ربما تكون أخطر فكرة يمكن أن تستقر في العقل البشري اليوم هي أن العالم أصبح غابة، وأن البقاء للأقوى، وأن من لا يملك القوة عليه أن يستسلم.
لأن قبول هذه الفكرة يعني أن الإنسان يعود قرونًا إلى الوراء.
فالحضارة لم تُبنَ لكي يصبح الأقوى أكثر قدرة على سحق الأضعف.
والقانون لم يوجد ليكون زينة في الكتب.
والدولة لم تُبنَ لكي تكون ساحة مفتوحة لمصالح الآخرين.
لكن مواجهة منطق القوة لا تعني الدعوة إلى الفوضى أو إلى حرب مفتوحة مع العالم.
بل تعني شيئًا أكثر عقلانية وأعمق أثرًا:
أن نبني قوتنا.
القوة التي نحتاج إليها ليست السلاح وحده
القوة ليست دبابة فقط.
القوة جامعة تنتج المعرفة.
ومعمل ينتج التكنولوجيا.
ومصنع ينتج ما يحتاجه الوطن.
واقتصاد يستطيع أن يصمد أمام الأزمات.
وإعلام يعرف كيف يعرض الحقيقة بوعي ومهنية.
ومؤسسات قوية.
ومجتمع يعرف كيف يحافظ على وحدته.
ودولة تعرف متى تتفاوض، ومتى تتحالف، ومتى تقول نعم، ومتى تقول لا.
القوة الحقيقية أن تمتلك قرارك.
وأن تكون ثروتك مصدرًا لبناء وطنك لا سببًا لزيادة أطماع الآخرين فيك.
وأن تكون جغرافيتك مصدر قوة لا نقطة ضعف.
وأن تتحول علاقاتك الإقليمية إلى تعاون حقيقي، لا مجرد بيانات ومؤتمرات.
العرب أمام امتحان التاريخ
ومن هنا تأتي مسؤولية العالم العربي.
فالجغرافيا وحدها لا تصنع القوة، والثروة وحدها لا تصنع النفوذ، والتاريخ العظيم لا يكفي لصناعة المستقبل.
نحن بحاجة إلى أن نقرأ العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
وأن ندرك أن المصالح الدولية لا تعرف العواطف.
وأن التعاون العربي والإفريقي والآسيوي القائم على المصالح المشتركة يمكن أن يصنع مساحات أوسع من الاستقلال الاقتصادي والسياسي.
ليس المطلوب أن نعادي العالم.
بل المطلوب أن نمتلك من القوة ما يجعل علاقتنا بالعالم قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
فالضعيف لا يحميه غضبه.
ولا تحميه خطبه.
ولا تحميه كثرة الشكوى.
الذي يحمي الوطن هو أن يمتلك أسبابه الحقيقية للقوة.
لا ننسى التاريخ.. ولا نسكن فيه
نعم، للتاريخ ذاكرة.
والاستعمار ترك وراءه صفحات سوداء في مناطق كثيرة من العالم، والاستعباد ونهب الموارد حقائق تاريخية لا يجوز محوها من الذاكرة الإنسانية.
لكن التاريخ ينبغي أن يكون مدرسة، لا سجنًا.
نقرأه لكي نفهم.
لا لكي نكره.
ونتذكر الماضي لكي نبني المستقبل، لا لكي نبقى أسرى له.
فالسياسة لا تُدار بالانتقام، وإنما بالوعي والمصلحة والحساب الدقيق لموازين القوة.
والسؤال الذي لا يريد العالم أن يسمعه
ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم:
من الأقوى؟
ولا:
من سينتصر؟
وإنما:
هل يستطيع العالم أن يعيد التوازن بين القوة والقانون؟
هل يمكن أن تصبح القوة حارسة للقانون بدلًا من أن تكون بديلًا عنه؟
هل يمكن أن تصبح المؤسسات الدولية أكثر قدرة على حماية الإنسان؟
هل يمكن أن يتوقف العالم عن التعامل مع القانون بمعيارين مختلفين؟
أسئلة كثيرة، لكن الإجابة عنها لن تأتي من الكلمات وحدها.
ستأتي من قدرة الدول على إعادة بناء مؤسساتها، وتقوية اقتصاداتها، وتطوير علومها، وحماية أمنها، وصناعة تحالفاتها، والدفاع عن مصالحها بوعي لا بانفعال.
فالعالم الجديد لا ينتظر أحدًا.
ومن لا يملك أدوات المستقبل، سيجد نفسه ذات يوم يعيش في مستقبل صنعه الآخرون.
ولعل أخطر ما في اللحظة الراهنة أن العالم لا يقف فقط أمام صراع على الأرض والثروة والنفوذ، وإنما يقف أمام اختبار أخلاقي وحضاري:
هل تبقى الإنسانية وفية لفكرة أن القانون فوق القوة؟
أم تستسلم تدريجيًا لفكرة أن القوة هي القانون؟
فإذا انتصرت الفكرة الثانية، فلن تكون الخسارة لدولة بعينها، ولا لقارة بعينها، وإنما ستكون خسارة للإنسان نفسه.
فالمدنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصواريخ التي تمتلكها الدول، وإنما بقدرتها على منع الصاروخ من أن يكون اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم.
وحينها فقط…
لن يكون السؤال: من يملك القوة؟
بل:
من يملك القوة التي يستطيع أن يضعها في خدمة الحق؟
————–القطيعى الشريف—————

