الرئيسية » الفلاح المصري حين
Uncategorized

الفلاح المصري حين

الفلاح المصري حين

الفلاح المصري حين يصبح العرق خبزا والارض وطنا

بقلم محمد عطا القطيعي

مشهدٌ قد يبدو عابرًا لمن يراه من بعيد، وقد يمرّ على العين كطرفٍ من طرائف الريف، لكنه في الحقيقة يحمل خلف ضحكته الصغيرة حكاية شعبٍ كامل… حكاية الفلاح المصري الذي تعلّم أن يمضي في الحياة كما تمضي دابته في الحقل: بطيئًا حينًا، متعبًا أحيانًا، لكنه لا يتوقف.
في الريف المصري، لا يبدأ النهار حين تشرق الشمس؛
بل يبدأ قبل أن تفكر الشمس نفسها في الشروق.
هناك أيدٍ خشنة تستيقظ على نداء الأرض، ووجوهٌ أكلت الشمس من ملامحها، وظهورٌ انحنت طويلًا فوق التراب، لا ذلًّا له، وإنما احترامًا لما يخرج من رحمه.
الفلاح لا يزرع الأرض فقط…
إنه يزرع صبره فيها.
يضع البذرة في التراب، ثم ينتظر، ويسقي، ويتعب، ويقاوم الحر والبرد، ويواجه تقلبات الطقس والأسعار والمرض والحاجة، ثم يقف في النهاية أمام محصوله وكأنه يقف أمام نتيجة امتحانٍ طويل لا يملك حق الرسوب فيه؛ لأن وراء هذا المحصول بيتًا، وأطفالًا، وأسرةً، وحياةً كاملة تنتظر.
إنه ذلك الإنسان الذي قد يعود إلى بيته في المساء وملابسه تحمل رائحة الطين، ويداه تحملان آثار العمل، ووجهه يحمل تعب يومٍ كامل… ثم يبتسم.
وكأن التعب عند الفلاح ليس شكوى… بل قدرٌ اعتاد أن يحمله بكرامة.
وفي هذه الحكاية لا يقف الرجل وحده.
فإلى جواره امرأةٌ ريفية ليست مجرد زوجة، وإنما شريكة في الخبز والتعب والانتظار.
تخرج معه إلى الأرض، أو تبقى في البيت تحمل مسؤولياته، وتربي أبناءه، وتعتني بالماشية، وتعد الطعام، وتتابع شؤون البيت، وقد تحمل فوق ذلك كله نصيبها من العمل في الحقل.
إنها الزوجة، والأم، والابنة، والأخت…
نساءٌ يعملن في صمت، ويعرقن في صمت، ويصنعن من الصبر خبزًا، ومن التعب بيتًا، ومن الحرمان حياة.
وفي الريف لا تجد بطولةً تُكتب على جدار، ولا ميداليةً تُعلَّق على صدر، ولا منصةً تقف فوقها الكاميرات.
هناك بطولة من نوعٍ آخر…
بطولة أن تستيقظ كل صباح لتعمل، رغم أنك متعب.
أن تزرع، رغم أنك لا تعرف ماذا سيحمل الغد.
أن تعطي، رغم أن حاجتك كبيرة.
وأن تبتسم، رغم أن الحياة لم تكن دائمًا رحيمة بك.
ذلك هو الفلاح المصري.
ذلك الإنسان الذي قد لا يعرف كثيرًا عن لغة الاقتصاد، لكنه يعرف جيدًا معنى الإنتاج.
وقد لا يتحدث عن الأمن الغذائي، لكنه يمارس معناه كل يوم.
وقد لا يعرف المصطلحات الكبيرة التي تتردد في المؤتمرات، لكنه يعرف الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى ترجمة:
إذا توقفت الأرض عن العطاء، جاع الجميع.
فالفلاح ليس مجرد مهنة في دفتر، ولا صورةً جميلةً بجوار حقل أخضر، ولا مشهدًا تراثيًا نضعه في ذاكرة الماضي.
الفلاح المصري واحد من أعمدة الحياة في هذا الوطن، والأرض التي يزرعها ليست مجرد أرض؛ إنها جزء من أمن البيت والمجتمع والوطن.
ومن هنا، فإن تقدير الفلاح لا ينبغي أن يكون مجاملةً موسمية، ولا كلماتٍ تقال في المناسبات، وإنما يجب أن يكون تقديرًا حقيقيًا لمن يحمل جانبًا من عبء الحياة على كتفيه.
فخلف كل رغيف خبز حكاية يدٍ تعبت…
وخلف كل محصول حكاية انتظار…
وخلف كل أرضٍ خضراء إنسانٌ دفع من عمره وعرقه وصبره ثمنًا لهذا الاخضرار.
ولذلك، حين نرى في الريف امرأةً تقول لجاموستها:
«يلا يا جاموسة نعدّي»
فترد الحياة عليها في صورة ضحكةٍ بسيطة:
«أنا مش مستعجلة على حاجة»…
فلنضحك، نعم…
لكن لنتذكر أيضًا أن وراء هذه الضحكة عالمًا كاملًا من الشقاء النبيل.
عالمًا لا يعرف الترف، لكنه يعرف الكرامة.
لا يملك الكثير، لكنه يعطي الكثير.
لا يرفع صوته مطالبًا بالتقدير، لكنه يستحقه.
فلاحٌ يحمل الفأس بيد، ويحمل مستقبل أسرته باليد الأخرى.
وزوجةٌ تمسح عرقها، ثم تمسح دمعة طفلها، ثم تعود إلى العمل وكأن شيئًا لم يكن.
وأبناءٌ يتعلمون منذ الصغر أن الأرض لا تعطي أسرارها لمن يكتفي بالنظر إليها، وإنما لمن يلامس ترابها ويمنحها من عرقه.
وهكذا يبقى الريف المصري واقفًا…
قد ينحني الفلاح فوق الأرض، لكن ظهره لا ينحني للحياة.
وقد تتعب يداه، لكن إرادته لا تتعب.
وقد يشتد عليه الزمان، لكن الأرض تظل موعده مع الأمل.
وفي النهاية…
حين نأكل لقمتنا هانئة، فلنتذكر أن هناك من دفع ثمنها عرقًا.
وحين نرى الحقول خضراء، فلنتذكر أن وراء هذا اللون قلوبًا صبرت، وأيدٍ عملت، ونساءً ورجالًا أفنوا من أعمارهم الكثير كي يبقى الوطن قادرًا على أن يأكل ويعيش.
سلامٌ على الفلاح المصري…
سلامٌ على يده التي شقّت التراب،
وعلى جبينه الذي بلّله العرق،
وعلى زوجته التي شاركته الطريق،
وعلى أبنائه الذين عرفوا مبكرًا أن الحياة لا تمنح خبزها مجانًا.
وسلامٌ على كل حبة قمحٍ خرجت من الأرض، تحمل في صمتٍ شهادةً تقول:
هنا مرَّ فلاحٌ مصري…
فأعطى الأرض من عمره،
فأعطته الأرض وطنًا من الخير.
🇪🇬 الفلاح المصري ليس خلف المشهد… بل هو أحد الذين يصنعون المشهد.
————–القطيعى الشريف————–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *