كتب رياض الفرطوسي
أصعب ما في الخيبة أنها تأتي متأخرة. نكتشف أن من وثقنا به لم يعد كما عرفناه، فنسأل بحرقة: متى تغيّر؟ ومن أين دخل إليه هذا الشيء الغريب؟
والجواب الذي لا نحبه أن شيئاً لم يدخل. كان كل شيء هناك من البداية، ينتظر أن يُفتح له الباب.
نحن في العراق نعرف هذه الحكاية جيداً. سمعنا عقوداً من الخطب عن العدل والكرامة وحق الفقير، وصدّقنا أن أصحابها ما إن يصلوا حتى يصير البلد غير البلد. ثم وصلوا، وها نحن نعدّ الكهرباء المقطوعة والمياه المالحة والرواتب المتأخرة وأبناءنا الذين يحزمون الحقائب، ونسأل: ماذا جرى لهم؟ لم يجرِ شيء. الرجل الذي يكره الظلم لأنه مبدأ يختلف عن الرجل الذي يكرهه لأنه يقع عليه، لكن الاثنين يهتفان بالكلمات نفسها حتى تنقلب الأدوار.
وهذا ليس قدراً عراقياً وحده. قال الروائي البريطاني جورج أورويل (صاحب “مزرعة الحيوان” و”1984″) إن الخنازير الثائرة على صاحب المزرعة وقفت يوماً على قدمين ولبست ثيابه، وبقيت تردد الشعار القديم. وكتب ميلوفان جيلاس (سياسي يوغسلافي كان من رفاق تيتو ثم سُجن لأنه كشف ما فعلته الثورة بأهلها) أن الذين يرفعون راية العدالة يتحولون حين يبلغون الدار إلى طبقة جديدة تأكل ما كانت تحاربه. وقبلهما قال ابن خلدون (مؤسس علم الاجتماع العربي) إن الجماعة التي تؤسس الدولة بخشونتها وزهدها يذيبها الترف حين تصل. وسمّى عالم الاجتماع الألماني روبرت ميخلز هذا “القانون الحديدي”: كل حركة تحرر تنتج حكاماً جدداً يشبهون من سبقوهم.
ثم إن عندنا ما يزيد الأمر سوءاً. شرح عالم الاجتماع العراقي علي الوردي أن الإنسان هنا يرفع صوته بالمبادئ ويخفض رأسه عند الحاجة، لأن مجتمعاً عاش طويلاً تحت الخوف أتقن الاثنين معاً. وقال المحلل النفسي إريك فروم (عالم نفس ألماني) إن من يتصالح تماماً مع مجتمع مريض قد يكون هو نفسه مريضاً، لأنه يتكلم لغته المعطوبة طلباً للنجاة. والنجاة إذا طالت صارت مدرسة تخرّج الماهرين في البقاء لا الصادقين في المبدأ.
وللأمانة، ليس الجميع هكذا. في كل مرحلة ناس خرجوا من مناصبهم كما دخلوها، لا يملأون الشاشات ولا يبنون القصور. لكنهم قلة، وهم أول من يشهد بقسوة القاعدة.
وما يجري عندنا لا يحدث بالصدفة. بعد كل انهيار ينفتح فراغ تتدافع فيه الأيدي، وتتقدم الصفوف أكثرها مرونة لا أكثرها نزاهة. ونحن نشارك في الصنعة. قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه إن الناس لا تعاقب إلا من يقول الحقيقة، وإن من يريد البقاء بينهم عليه أن يشاركهم أوهامهم. نحب الصورة المطمئنة، ونصفق لمن يخدّرنا، ونرجم من يوقظنا، ثم نشكو من الأقنعة التي ساهمنا في صناعتها.
ولهذا يبدو مضحكاً أن نقسّم الناس: هذا يساري وذاك يميني وثالث ليبرالي ورابع إسلامي أو قومي أو “مدني”. لافتات على الأبواب، والداخل واحد: الموقع والمنفعة والأمان. يتبدل الشعار مع الموسم، ويبقى الجيب هو الجيب.
وربما قال أحدهم: وما شأني؟ شأنك أنك أنت أيضاً تلبس قناعاً صغيراً في العمل والبيت والمجلس وعلى هاتفك. نخفي ما يفضح ضعفنا، ونقول ما يريده السامع. وليس ذلك دائماً شراً، لكن السؤال الصادق هو: لو سقط عني الخوف غداً، ولو منحتني الدنيا ما أريد، هل سأبقى ذلك الذي أقوله عن نفسي؟
فإذا رأيتَ وجهاً سقط قناعه، فلا تقل إنه تغيّر، بل قل إنه وجد أخيراً مناخاً يسمح له بأن يظهر. وإذا أردتَ ألا يخذلك أحد، فانظر إلى ما يفعله الإنسان بالقوة لا إلى ما قاله وهو ضعيف.
وكن أنت الاستثناء. فالقانون الحديدي لا يكسره إلا من يقرر، قبل أن تُفتح له الأبواب، ما الذي لن يفعله مهما فُتحت.
الذين علّمونا كره الكرسي .. ثم جلسوا عليه
📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)