الرئيسيةاخبارالعالم الإسلامي من سبات الانقسام؟
اخبار

العالم الإسلامي من سبات الانقسام؟

العالم الإسلامي من سبات الانقسام؟

بعد «اتفاقية مكة».. هل يستيقظ العالم الإسلامي من سبات الانقسام؟
بقلم محمد عطا القطيعي
حين تتحول الكلمات إلى موقف.. وحين يصبح التشرذم خطرًا على الجميع
ليس كل اتفاقية تُوقَّع تُحدث تحولًا في التاريخ، وليس كل دعوة إلى الوحدة تجد طريقها إلى الواقع. لكن بعض اللحظات السياسية تأتي محمّلة بأسئلة أكبر من نصوص الاتفاقيات، وأثقل من بيانات القمم، لأنها تضع أمام أمة بأكملها مرآةً ترى فيها قوتها وضعفها، تماسكها وانقسامها، وقدرتها على الفعل أو اكتفائها بالمشاهدة.
وفي هذا السياق، تأتي الدعوة التي أطلقها وزير الدفاع الباكستاني إلى توحيد العالم الإسلامي في مواجهة إسرائيل، عقب ما أُعلن عن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، لتفتح بابًا واسعًا أمام نقاش طال انتظاره: هل يستطيع العالم الإسلامي أن ينتقل من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة صناعة القرار؟
إن القضية هنا لا تتعلق فقط باتفاق دفاعي، ولا ببيان سياسي عابر، وإنما تتعلق بفكرة أكبر بكثير؛ فكرة أن الدول الإسلامية، بما تملكه من ثقل بشري واقتصادي وجغرافي وسياسي وعسكري، تستطيع ـ إذا امتلكت الإرادة ـ أن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبل المنطقة، بدلًا من أن تظل في كثير من الأحيان مجرد طرف يتلقى نتائج القرارات التي يصنعها الآخرون.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الانقسام لا يصنع أمنًا، وأن تشتت المواقف يبدد قوة الدول مهما بلغت إمكاناتها. وفي المقابل، فإن التعاون الحقيقي لا يعني بالضرورة ذوبان الدول في كيان واحد، ولا يعني إلغاء خصوصية كل دولة أو مصالحها الوطنية، وإنما يعني امتلاك الحد الأدنى من الرؤية المشتركة عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية والأمن الجماعي ومصالح الشعوب.
ومن هنا تكتسب الدعوة الباكستانية أهميتها.
فإذا كانت «اتفاقية مكة» تمثل خطوة باتجاه تعزيز التعاون الدفاعي، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع؛ لأن التاريخ لا يحاسب الدول على ما كتبته في الأوراق، وإنما على ما استطاعت أن تحوله من نصوص إلى أفعال.
هل تتحول الاتفاقيات إلى منظومة؟
وهل تتحول البيانات إلى قرارات؟
وهل تتحول مشاعر التضامن إلى سياسة قادرة على التأثير؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد قيمة هذه اللحظة.
والأهم من ذلك كله أن مفهوم القوة في عالم اليوم لم يعد مقتصرًا على السلاح. فالقوة الحقيقية هي القدرة على التنسيق، وتوحيد المصالح، وحماية الأمن، واستخدام الاقتصاد والدبلوماسية والسياسة والإعلام والقانون الدولي في إطار رؤية متكاملة.
ولذلك فإن أي مشروع للتعاون بين الدول الإسلامية يحتاج إلى عقل استراتيجي هادئ، بعيد عن الانفعال والشعارات، وقادر على بناء جسور بين العواصم المختلفة، لأن مواجهة الأزمات لا تُدار بالعاطفة وحدها، كما أن حماية المصالح لا تتحقق بالخطب وحدها.
إن العالم الإسلامي لا تنقصه الإمكانات، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على جمع الإمكانات في اتجاه واحد.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة المؤلمة: أمة تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها رقمًا صعبًا في معادلات العالم، لكنها كثيرًا ما تبدو عاجزة عن تحويل هذه العناصر إلى قوة سياسية جماعية مؤثرة.
ولعل «اتفاقية مكة» تكون فرصة لإعادة التفكير في هذه المعادلة؛ ليس بمنطق المواجهة المفتوحة، وإنما بمنطق القوة المسؤولة، والتنسيق الواعي، والدبلوماسية الفاعلة، والدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة للشعوب والدول.
الخاتمة.. السؤال الذي سيبقى مفتوحًا
ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل يستطيع العالم الإسلامي أن يتوحد؟
بل السؤال الأصعب هو:
هل يمتلك العالم الإسلامي الشجاعة السياسية لكي يكتشف حجم القوة التي يمتلكها بالفعل؟
فالأمم لا تسقط دائمًا لأنها ضعيفة، وإنما قد تضعف لأنها لا تعرف كيف تجمع قوتها.
والتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يخلّد البيانات التي بقيت حبرًا على ورق؛ وإنما يتذكر اللحظات التي امتلك فيها أصحاب القرار شجاعة الانتقال من الكلام إلى الفعل، ومن التفرق إلى التنسيق، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل.
وإذا كانت مكة قد شهدت توقيع اتفاقية تحمل في اسمها معنى الوحدة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج من مكة إلى كل عاصمة إسلامية هو:
هل ستكون «اتفاقية مكة» مجرد صفحة جديدة في أرشيف الاتفاقيات… أم أنها ستكون بداية صفحة جديدة في تاريخ التعاون الإسلامي؟
الإجابة لن تكتبها الأقلام… بل ستكتبها الأيام القادمة.
————القطيعى الشريف————–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *