بر الوالدين بعد وفاتهما
بقلم / محمـــد الدكـــروري
بر الوالدين بعد
اعلموا يا عباد الله أن من حقوق الآباء على الأبناء هو برّهما بعد مماتهما، فبرّ الوالدين لا ينقطع بالموت، وحقهما لا ينتهي برحيلهما عن هذه الدار، بل هو مستمر ودائم مدة بقاء الأبناء على قيد الحياة لأن حقوقهما لا تنحصر في خدمتهما والنفقة عليهما بل لهما حقوق يحتاجانها بعد رحيلهما، وهذه دعوة لمن قصّر في بر والديه في حياتهما، أو كان صغيرا عند وفاتهما، أن يستدرك ما فاته من البر بعد وفاتهما، فمن بر الوالدين بعد وفاتهما هو زيارة أقاربهما وأهل وُدّهما، ففي زيارة الأقارب وصلة الأرحام بر بالوالدين، وفي صلة أهل وُدّ الوالدين من الأحباب والأصدقاء بر بالوالدين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا كبيرا، فهل لي من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألك والدان؟ قال لا، قال ” فلك خالة؟ قال نعم، قال “فبرّها إذن” رواه أحمد.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “الخالة بمنزلة الأم” رواه البخاري ومسلم، وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار فقلنا له أصلحك الله، إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر إن أبا هذا كان وُدّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن أبرّ البر صلة الولد أهل وُدّ أبيه ” رواه مسلم، ومن بر الوالدين بعد وفاتهما هو الدعاء لهما، فذلك من أفضل ما يقدمه الأبناء لآبائهم بعد وفاتهما، أن تدعو لهما بالرحمة والمغفرة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، فذلك مما أمر الله تعالى به، فقال سبحانه وتعالي ” وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا” والدعاء للوالدين من هدي الأنبياء والرسل فقد قال تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام.
“ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب” ولقد إستطاعت التربية الإسلامية الأولى في مكة المكرمة أن تصوغ أفراد الأمة عقائديا وفكريا وسلوكيا في الصورة الإسلامية بكل أبعادها، وبالتصور الشامل للحياة في نواحيها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها واستطاعت أن تغرس في نفوس الأفراد الإنتماء لدينهم وأمتهم، واستطاعت أن تعد جيلا إسلاميا يحمل رسالة الأمة الإسلامية إلى كل الأرض، ويتحمل في سبيل ذلك الآلام الجسام، واليوم، وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان على المدرسة التربوية والمؤسسة التطبيقية الأولي في دار الأرقم بن أبي الأرقم، والتي بدأت منها خطوات المسلم الإنسان الجديد، مع ذلك، نرى اليوم الكثير من الثغور التربوية التي يقتضيها إخراج الإنسان والأمة لتحقيق الشهود الحضاري وهي الشهادة على الناس والقيادة لهم لا تزال مفتوحة، ولا نزال نؤتى من قبلها.
لأنها تفتقد المرابطين من أهل الدراية والفقه التربوي، والقادرين على اكتشاف طاقات الفرد، والتعرف على إمكاناته، ثم تزويده عبر التربية بالمهارات التي تجعل منه إنسانا قادرا على تغيير الواقع، والوصول إلى الأهداف المنشودة، وإن من التربية الإسلامية هو التربية علي الوفاء للوالدين، والدعاء لهم، فإن الدعاء للوالدين من برّ الأبناء الصالحين الذي يستمر أجره وثوابه للوالدين بعد رحيلهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم، وبالدعاء للوالدين بالمغفرة ترفع درجتهما في الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول يا رب أنى لي هذه؟ فيقول باستغفار ولدك لك” رواه أحمد.
وكما أن من حق الآباء على الأبناء بعد وفاتهما هو انفاذ عهدهما وقضاء دينهما فمن مات والداه وتركا دينا عليهما، أو وصية من بعدهما، فعلى الأبناء أن يقضوا عنهما الدّين، وأن يؤدّوا وصيتهما، وذلك من تركة الوالدين قبل قسمتها، أو من مال يتبرع به الأبناء على الوالدين، فقد قال الله تعالى في آيات المواريث ” من بعد وصية يوصي بها أو دين” أي أن قسمة المواريث إنما تكون بعد قضاء الدين وأداء الوصية وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يقضى عنه” رواه أحمد، وكما أن من بر الوالدين بعد وفاتهما هو قضاء ما عليهما من نذر، فمن مات من الوالدين وقد نذر أن يتقرب إلى الله تعالى بطاعة معينة، كالصوم أو الحج أو الصدقة أو غير ذلك من الطاعات، ولم يتمكن من الوفاء بنذره قبل موته، فمن بر أبنائه به أن يقضوا عنه نذره إن كان في إستطاعتهم.
فالمنهاج التربوي الإسلامي، إنما يصاغ لينزل إلى واقع الناس، ويعايشهم أحداث هذا الواقع ومشاكله، بل إن المنهاج التربوي الإسلامي منبثق من هذا الواقع، فهو لم ينشأ من فراغ، فينبغي ألا يطبق في فراغ، وإذا بُتر هذا المنهاج التربوي الإسلامي عن الواقع، فإنه يصبح في الحقيقة صورة بلا روح، لأنه يصبح عبارة عن نظريات مجردة، أو حقائق ومعارف باردة، لا نصيب لها من التنزيل على الواقع أو الارتفاع بالواقع ليتعامل معها.

