بين هيبة القانون وصرخة إنسان ماذا حدث 
بين هيبة القانون وصرخة إنسان ماذا حدث
في حي المناخ ببورسعيد
بقلم/ الكاتبة والاعلامية راندا ابو النجا
في الأزمات الكبرى، تختلط المشاعر بالحقائق وتسبق الأحكامُ نتائجَ التحقيقات، فيتحول الرأي إلى حقيقة والإتهام إلى حكم قبل أن تقول العدالة كلمتها
وما شهده حي المناخ بمحافظة بورسعيد لم يكن مجرد واقعة مؤلمة بل كان إختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على التفرقة بين المأساة الإنسانية وبين المسؤولية القانونية وبين التعاطف الواجب مع الإنسان وإحترام مؤسسات الدولة التي تعمل وفق القانون.
لم يكن صباح ذلك اليوم يومًا عاديًا فما بدأ حملة لتنفيذ قرارات إزالة الإشغالات إنتهى بمشهد هزَّ وجدان كل من شاهده بعدما أشعل أحد المواطنين النار في نفسه لتتحول لحظات تنفيذ القرار إلى سباق لإنقاذ حياته، وسط حالة من الصدمة والحزن التي سيطرت على الجميع
ولا يختلف إثنان على أن ما حدث مؤلم وأن حياة الإنسان تظل أغلى من أي شيء لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو
هل يُدان من ينفذ القانون لأن النهاية كانت مأساوية؟ وهل يتحول الموظف الذي يؤدي واجبه إلى متهم لمجرد أن شخصًا آخر إتخذ قرارًا مأساويًا؟
إن الحملة التي شهدها حي المناخ لم تكن قرارًا شخصيًا من رئيسة الحي
ولم تكن تصرفًا فرديًا وإنما جاءت تنفيذًا لقرارات الدولة، ضمن خطة التطوير التي تنفذها محافظة بورسعيد بقيادة اللواء إبراهيم أبو ليمون محافظ بورسعيد الذي يسعى إلى إستكمال مسيرة التنمية وإعادة الوجه الحضاري للمحافظة مؤكدًا أن تطبيق القانون يسير جنبًا إلى جنب مع مراعاة البعد الإنساني
كما أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن المحافظة طرحت بدائل لعدد من أصحاب الأكشاك والإشغالات ووافق عدد منهم عليها في محاولة لتحقيق التوازن بين الحفاظ على مصدر رزق المواطنين وبين تنفيذ القانون وإعادة تنظيم الشارع البورسعيدي بما يليق بتاريخ المدينة ومكانتها
ومن يتابع أداء محافظ بورسعيد يدرك أن مشروع التطوير لا يستهدف إزالة المخالفات فقط بل يهدف إلى بناء مدينة أكثر تنظيمًا وتقديم خدمات أفضل للمواطنين مع الإستماع إلى الشكاوى والبحث عن حلول عملية كلما أمكن ذلك. فالتنمية الحقيقية لا تتحقق بالقوة وحدها، وإنما بالحوار وتوفير البدائل واحترام كرامة الإنسان
ورغم ذلك تحولت الواقعة في ساعات قليلة إلى ساحة للاتهامات، وبدأت بعض الأصوات تحمل رئيسة حي المناخ المسؤولية كاملة، متناسية أنها كانت تؤدي واجبها في تنفيذ قرار صادر عن الدولة وأن الموظف التنفيذي لا يملك أن يختار أي القوانين ينفذ وأيها يتجاهل
أما ما يُثار بشأن وجود تحريض أو إستغلال للواقعة أو أطراف سعت إلى تأجيج الموقف فهو أمر ينبغي أن يُترك لجهات التحقيق فهي وحدها صاحبة الإختصاص في كشف الحقيقة بعيدًا عن الشائعات أو تصفية الحسابات
إن الدولة التي تحترم مواطنيها هي نفسها الدولة التي تحترم القانون، لأن هيبة الدولة لا تتحقق إلا بتطبيق القانون على الجميع، كما أن الرحمة لا تتحقق إلا بالعدل
وفي النهاية
قد نبكي على مشهدٍ إنساني مؤلم وقد نتعاطف مع أسرة فقدت عائلها لكننا في الوقت نفسه يجب ألا نحاكم موظفًا لأنه أدى واجبه ولا نحول المأساة إلى وسيلة لإدانة أشخاص قبل أن تتحدث الأدلة
فالرحمة لا تتعارض مع سيادة القانون بل تكتمل بها وتبقى الحقيقة وحدها هي الطريق إلى العدالة

