كتب خالد محمد الحميلي
لم يكن الصعود يومًا دليلًا على الاستحقاق، كما أن الظهور لا يعني بالضرورة القيمة. ففي كل زمان ومكان، قد يأتي وقت تتبدل فيه موازين الحياة، فيتقدم إلى الصفوف الأولى من لم يكن يتخيل أحد أن يكون له صوت، أو تأثير، أو مكانة.
وعندما صعد بعض «الصعاليك» على مسرح الحياة، لم تكن المشكلة في أنهم صعدوا، فالحياة بطبيعتها تمنح فرصًا للجميع، وإنما كانت المشكلة حين ظن بعضهم أن الصعود يمنحه حق احتقار من كانوا قبله، أو التعدي على حقوق الآخرين، أو التعامل مع الناس بمنطق القوة لا بمنطق الأخلاق.
الصعلوك الحقيقي ليس فقيرًا، وليس بسيطًا، وليس من محدودي التعليم؛ فالفقر ليس عيبًا، والبساطة ليست نقصًا، وقلة المال لا تنتقص من قيمة الإنسان. الصعلوك هو من فقد مبدأه عندما امتلك شيئًا، ومن نسي أصله عندما تغيرت ظروفه، ومن أصبح يرى الناس درجات يصعد فوقها للوصول إلى غايته.
والأخطر من ذلك أن المجتمع أحيانًا يساعد هؤلاء على الصعود. يصفق لمن يملك المال ولو لم يملك الأخلاق، ويمنح الاهتمام لمن يرفع صوته ولو لم يملك الحجة، ويخشى صاحب النفوذ ولو كان مخطئًا، بينما يتجاهل صاحب المبدأ لأنه اختار أن يعيش مستقيمًا.
وهنا تختلط المعايير.
يصبح الاحترام أحيانًا مرتبطًا بما تملك لا بما تكون، ويصبح الصوت الأعلى أقوى من الكلمة الأصدق، ويصبح الوصول إلى المكان أهم من الاستحقاق الذي يؤهل صاحبه إليه.
لكن التاريخ الاجتماعي يعلمنا أن الأماكن لا تمنح أصحابها قيمة حقيقية؛ بل أصحاب القيم هم الذين يمنحون الأماكن قيمتها.
قد يجلس إنسان على كرسي كبير، لكنه يظل صغيرًا في أعين الناس إذا أساء استخدامه. وقد يعيش آخر في بيت متواضع، لكنه يكون كبيرًا بأخلاقه ومواقفه وكرامته.
المشكلة ليست في أن يصعد إنسان من أسفل إلى أعلى، بل في أن يصعد وهو يحمل معه أسوأ ما في القاع، ثم يستخدم ما وصل إليه لإيذاء من حوله.
والأكثر إيلامًا أن بعض الناس عندما تتغير ظروفهم ينسون تمامًا الأيام التي كانوا فيها يحتاجون إلى كلمة طيبة أو يد تمتد إليهم. فإذا تغيرت أحوالهم، أصبحوا يتعاملون مع الآخرين وكأنهم لم يعرفوا يومًا معنى الاحتياج.
لهذا فإن قيمة الإنسان لا تُقاس بموقعه، ولا بسيارته، ولا بما يملكه، ولا بعدد الأشخاص الذين يخافون منه؛ وإنما تُقاس بما يتركه في نفوس الناس من احترام، وبقدرته على أن يظل إنسانًا عندما تتغير ظروفه.
فليس كل من صعد عاليًا أصبح كبيرًا، وليس كل من بقي في مكانه أصبح صغيرًا.
هناك من يصعد إلى القمة فيكتشف الناس أنه كان يستحقها، وهناك من يصعد إليها فيكتشف الناس أنه لم يكن يستحق حتى المكان الذي تركه خلفه.
وفي النهاية، يبقى مسرح الحياة مفتوحًا للجميع، لكن الأدوار ليست متساوية.
قد يخدع بعض الناس الجمهور لفترة، وقد ينجحون في صناعة صورة لأنفسهم، وقد يعلو صوتهم وتزداد دائرة من حولهم، لكن الزمن وحده قادر على كشف الحقيقة.
فالأقنعة قد تنجح أمام الناس، لكنها لا تصمد أمام الزمن.
ويبقى السؤال الحقيقي ليس: من صعد؟
بل: ماذا فعل عندما صعد؟ ومن أصبح بعد أن امتلك القوة؟
فهناك فرق كبير بين إنسان صعد فرفع معه من حوله، وإنسان صعد على أكتاف الآخرين ثم حاول إقناع الجميع بأنه كان دائمًا في القمة.
عندما صعد الصعاليك على مسرح الحياة

