الرئيسيةمقالاتحين تتحول العدالة إلى رقم موحد
مقالات

حين تتحول العدالة إلى رقم موحد

حين تتحول العدالة إلى رقم موحد

بقلم محمد سعيد الحداد

في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تقنين الأوضاع وتخفيف الأعباء عن المواطنين

برزت على الساحة أزمة جديدة أثارت تساؤلات قانونية ومجتمعية واسعة تتعلق بقرار التسعيرة الموحدة للعدادات الكودية

ذلك القرار الذي فتح بابًا للنقاش حول مدى توافقه مع مبادئ العدالة الدستورية وقواعد المشروعية الإدارية

فالأصل في أي قرار إداري أن يقوم على التوازن بين حق الدولة في التنظيم والتحصيل وبين حق المواطن في المعاملة العادلة والمتناسبة مع ظروفه الواقعية

إلا أن التطبيق الحالي للتسعيرة الموحدة يطرح علامات استفهام حقيقية حول غياب التفرقة بين الحالات المختلفة رغم اختلاف طبيعتها الفنية والاجتماعية والاقتصادية

كيف يُعقل أن يُعامل صاحب الوحدة البسيطة محدود الاستهلاك بنفس المعاملة المالية التي تُفرض على حالات أخرى ذات أحمال واستهلاك أكبر؟

وأين مبدأ التناسب الذي يُعد أحد أهم المبادئ المستقرة في القانون الإداري المصري؟

إن المساواة التي كفلها الدستور لا تعني أبدًا التسوية المطلقة بين المواطنين دون النظر إلى اختلاف مراكزهم القانونية

بل إن المحكمة الدستورية العليا أكدت في العديد من أحكامها أن العدالة الحقيقية تقوم على معاملة المتماثلين بصورة متماثلة والمختلفين بصورة مختلفة وفقًا لطبيعة كل حالة

ومن هنا يظهر العوار الحقيقي في فكرة “التسعيرة الموحدة”

لأنها تجاهلت الفروق الواقعية بين المواطنين

واعتبرت الجميع في مركز واحد رغم التفاوت الواضح في طبيعة الاستخدام والقدرة الاقتصادية

الأمر لا يتعلق فقط بقيمة مالية

بل يتعلق بفلسفة إدارية كاملة

فالمرفق العام في الدولة الحديثة لا يقوم على الجباية فقط

بل على تحقيق التوازن والاستقرار المجتمعي

وهو ما يفرض على الجهات التنفيذية مراعاة البعد الاجتماعي عند إصدار أي قرارات تمس حياة المواطنين اليومية

كما أن غياب الشفافية الكاملة في شرح الأسس الفنية والمالية التي استند إليها القرار يزيد من حالة الجدل

إذ لم يتم توضيح آلية احتساب تلك القيمة الموحدة

ولا أسباب استبعاد فكرة الشرائح أو التدرج وفقًا لطبيعة كل حالة

ومن الناحية القانونية

فإن أي قرار إداري يجب أن يقوم على ركن السبب وركن التناسب وركن المشروعية

وهي أركان لا يمكن تجاهلها في القرارات ذات التأثير الشعبي الواسع

خاصة إذا ترتب عليها أعباء مالية مباشرة على المواطنين

المواطن المصري لا يرفض التنظيم

ولا يرفض دفع ما عليه من التزامات

لكنه يطالب فقط بقاعدة عادلة يشعر معها أن الدولة تنظر إليه بعين الإنصاف لا بعين الرقم الموحد

ولذلك فإن إعادة النظر في آلية تسعير العدادات الكودية أصبحت ضرورة حقيقية

ليس من باب الاعتراض على الدولة

بل من باب دعم فكرة الدولة العادلة التي توازن بين الحقوق والواجبات وتحترم الفروق الواقعية بين الناس

فالعدالة لا تُقاس بوحدة القرار

بل بقدرة القرار على استيعاب اختلاف البشر

بقلم / محمد سعيد الحداد

جريدة موطني الدولية والمحلية

رئيس مجلس الإدارة: الأستاذ أحمد عبد الغفار

نائب رئيس مجلس الإدارة: الأستاذة وفاء عبد الغفار

 

 

حين تتحول العدالة إلى رقم موحد

حين تتحول العدالة إلى رقم موحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *