حين يصبح الشيطان مستشارَ عقلك
بقلم / نعمة حسن
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾
هناك آيات تقرؤها
وهناك آيات إذا تدبرتها أعادت تفسير أشياء كثيرة تحدث داخل الإنسان.
يقول الله تعالى:
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾
الزخرف ٣٦–٣٧
توقفوا هنا.
الله لم يقل فقط إن من يبتعد عن ذكره يضل
بل رسم لنا سلسلة كاملة:
إعراض → قرين → صد عن الطريق → ثم أخطر مرحلة: أن يحسب الإنسان أنه مهتدٍ.
وهنا الرهبة.
فالإنسان قد يقع في الخطأ وهو يعلم أنه أخطأ
وهذه مصيبة يمكن الرجوع منها.
لكن المصيبة الأكبر أن يختل ميزانه حتى يرى الخطأ صوابًا ويرى قراراته حكمةً وهو يُدفع بعيدًا عن الطريق.
وهذا بالضبط ما تقوله الآية التالية:
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
أي أن الخطر ليس فقط أن يوسوس لك الشيطان
بل أن يزيّن لك ما اختاره حتى يصبح الباطل في عينك حقًا.
وهنا يظهر جمال كلمة ﴿يَعْشُ﴾.
ذكر المفسرون فيها معنى الإعراض وضعف البصيرة؛ وأصلها اللغوي متصل بضعف الرؤية، فكأن الإنسان لا يفقد بصره مرة واحدة، وإنما تبدأ رؤيته المعنوية في الاضطراب حتى لا يعود يرى الطريق على حقيقته.
ثم تأتي الكلمة المخيفة:
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾
أي يُجعل له شيطان ملازمًا
ثم يقول الله:
﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
لم يقل زائرًا
ولم يقل عابرًا
بل قرينًا.
يصاحبه في الاختيار
ويزيّن له الرأي
ويصدّه عن السبيل
حتى يصل الإنسان إلى حالة عجيبة:
يبتعد عن الطريق وهو مقتنع أنه يسير في الطريق الصحيح.
ثم يكشف القرآن النهاية:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.
بعد أن كان القرين ملازمًا في الدنيا
يتمنى الإنسان يوم الحقيقة لو كانت بينهما أبعد مسافة يمكن تصورها.
واللافت أن علم النفس المعرفي الحديث يؤكد — من زاويته البشرية التجريبية، لا تفسيرًا للآية — أن قرارات الإنسان ليست مستقلة كما يتخيل دائمًا؛ فالانتباه والعادات والتأثير الاجتماعي والمعلومات المتكررة يمكن أن تؤثر في الاختيارات والحكم على الأشياء، وقد يصبح السلوك المتكرر أكثر تلقائية مع الزمن.
لكن لا نحتاج أن نقول إن هذه الدراسات “تثبت” الآية.
القرآن يقول شيئًا أوسع وأعمق:
إن الإنسان حين يفقد مرجعيته لله
قد لا يبقى عقله فارغًا.
شيء آخر سيملأ المساحة.
فكرة
شهوة
هوى
صوت متكرر
صحبة
أو وسوسة تزيّن له ما يفعل.
وهنا سؤال الآية المرعب لكل واحد منا:
من الذي يصاحب قراراتك وأنت تظن أنها قراراتك وحدك؟
لهذا لم يكن ذكر الله مجرد كلمات على اللسان.
إنه بوصلة.
فإذا انطفأت البوصلة
قد يستمر الإنسان في السير طويلًا…
لكن المشكلة ليست أنه لا يسير.
المشكلة أنه قد يسير في الاتجاه الخطأ
وهو يحسب أنه مهتدٍ.
وهذه من أدق وأخطر صور الضلال التي وصفها القرآن:
أن يُسلب منك الطريق
ثم يُترك لك اليقين بأنك على الطريق.
فتدبروا القرآن.
فلعل بعض ما نسميه اليوم
رأيي واختياري وقراري وقناعتي
يحتاج قبل كل شيء إلى سؤال واحد:
هل هذا نور هداية… أم تزيين قرين؟
والنقطة التي أراها الأقوى هنا هي ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾؛ لأنها تنقل المقال من فكرة «الشيطان يدفع للمعصية» إلى معنى أخطر بكثير: فساد ميزان الحكم نفسه، حتى يطمئن الإنسان إلى القرار الذي يبعده عن الحق.
فاللهم لا تجعل للشيطان على قلوبنا وعقولنا سبيلًا
ولا تجعل لنا قرينًا يزيّن لنا الباطل فنحسبه حقًا
اللهم ارزقنا نورًا نرى به الحق حقًا فنتبعه
ونرى به الباطل باطلًا فنجتنبه
وثبّت قلوبنا على ذكرك واهدِ أفكارنا وقراراتنا إلى ما تحب وترضى
ولا تجعلنا ممن ضلّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا
واجعل القرآن نور عقولنا وبصيرة قلوبنا ودليل خطواتنا
يا رحمن يا هادي اهدنا إليك هدايةً لا نضل بعدها أبدًا.

