حين يُنتحل ثوب العدالة… وتُختبر ضمائر الناس
بقلم محمد عطا القطيعي
ليس من طبعي أن أجعل من منصات التواصل الاجتماعي منبرًا للتعليق على كل حادثة تشغل الرأي العام، فالكلمة مسؤولية، والصمت في غير موضع البيان حكمة. غير أن ما أثير في الأيام الأخيرة حول واقعة ما سُمِّي بـ”القاضي المزيَّف” ليس خبرًا عابرًا يطويه الزمن، ولا جريمة محدودة الأثر، بل هو جرس إنذار يوقظ الضمائر، ويكشف عن أزمة أعمق من حدود القانون، إنها أزمة وعي، واضطراب في ميزان القيم، وخلل في نظرة بعض الناس إلى العدالة وهيبتها.
إن انتحال صفة القاضي ليس تزويرًا في الأوراق فحسب، ولا احتيالًا على الأفراد وحدهم، بل هو عدوان غاشم على رمز من أقدس رموز الدولة، واعتداء على منصةٍ لم تُبنَ بالحجارة، وإنما شُيِّدت عبر القرون بالعدل، وحُرست بدموع المظلومين، وصبر القضاة، وشرف الرجال الذين أقسموا أن يجعلوا الحق ميزانهم، والضمير سلطانهم، والقانون طريقهم.
ذلك الثوب الأبيض الذي يكسو رجال القضاء ليس قطعة قماش تُرتدى، وإنما هو عهد، ورسالة، وأمانة ثقيلة، لا يحملها إلا من اصطفاهم الواجب لحراسة الحقوق، وإقامة العدل بين الناس دون خوف أو هوى. فمن تجرأ على انتحال هذا المقام، فقد تطاول على هيبة العدالة نفسها، وحاول أن يمد يده الآثمة إلى آخر حصون الثقة في المجتمع.
إن هؤلاء لم يسرقوا أموال الناس فحسب، فالمال وإن عُوِّض عاد، أما الثقة إذا تصدعت، فإن بناءها يحتاج إلى أعمار. لقد حاولوا سرقة يقين المواطن في أن للقضاء بابًا لا يُغلق، وميزانًا لا يميل، وملاذًا لا يخون من احتمى به. وهذه هي الجريمة الكبرى التي تفوق في خطرها كل مكسب مادي زائل.
غير أن الإنصاف يقتضي أن نتأمل وجهًا آخر من المأساة؛ فالمحتال لا يجد طريقًا إلى ضحيته إلا إذا وجد في النفوس استعدادًا لتصديق الوهم. وإن من المؤلم أن يظن بعض الناس أن الحقوق تُنال بالوساطات، أو أن القوانين تُطوى أمام أصحاب النفوذ، أو أن العدالة يمكن أن تُشترى في سوق المصالح.
إن أول طريق الخديعة يبدأ حين يترك الإنسان الباب المعلوم، ويبحث عن الممرات الخفية، وحين يستبدل نور القانون بظلام الأوهام. ومن رضي أن يسلك طريق الالتفاف على العدالة، فقد مهَّد بيده الطريق للمحتالين، وفتح لهم أبوابًا ما كان لهم أن يدخلوها لولا هذا الوهم القاتل.
إن القضاء لا يعرف إلا مستندًا صحيحًا، ودليلًا ثابتًا، وحكمًا يقوم على الحق، لا على القرابة، ولا على المال، ولا على النفوذ. ومن ظن غير ذلك، فقد جهل حقيقة هذا الصرح العظيم الذي جعله الله سببًا لإقامة العدل بين عباده.
وسيظل القضاء المصري – بإذن الله – شامخًا كشموخ الجبال، ثابتًا كثبات الحق، لا تنال من هيبته أفعال مزور، ولا تهزه دعاوى دجال، ولا تنقص من مكانته جرائم أفراد لفظهم الضمير قبل أن يلفظهم المجتمع. فالمؤسسات العظيمة لا تقاس بأخطاء من ينتحلون أسماءها، وإنما بعظمة رسالتها، ونقاء تاريخها، وعدالة رجالها.
وختامًا…
ليعلم الجميع أن القضاء ليس مجرد سلطة من سلطات الدولة، بل هو حصن الأمة إذا اضطربت الأحوال، وملاذ المظلوم إذا ضاقت به السبل، وميزان الله في الأرض الذي تُصان به الدماء، وتُحفظ به الأموال، وتُرد به المظالم إلى أهلها.
فالحقوق لا تُطلب في الممرات المظلمة، ولا تُنال بالهمس خلف الأبواب، ولا تُشترى بأموال الدنيا كلها، وإنما تُنال في ساحات القضاء، أمام قضاةٍ نذروا أنفسهم للحق، وأقسموا أن لا يكون فوق القانون أحد، ولا فوق العدل سلطان.
وسيظل العدل، ما بقيت السماء تظل الأرض، هو تاج الأوطان، وهيبة القضاء هي هيبة الدولة، ومن أراد أن يحفظ وطنه، فليحفظ في قلبه أولًا قدسية العدالة، فإن الأمم لا تسقط حين يقل مالها، وإنما تسقط يوم تهون في أعين أبنائها هيبة القضاء، ويضعف في نفوسهم الإيمان بأن الحق لا يموت، وأن وراء كل مظلوم قضاءً عادلًا، وربًّا لا تضيع عنده الحقوق.
حين يُنتحل ثوب العدالة… وتُختبر ضمائر الناس


