عار النصوص.. حين تصبح الدولة موثقاً لسرقة عرق العمال
بقلم: شريف السبع
باحث في الشؤون العمالية
حين يُكتب القانون، يُفترض أن يكون حصناً للضعيف وميزاناً للعدالة، وسقفاً قيمياً واجتماعياً لا يُسمح بتجاوزه مهما اشتدت رياح السوق. غير أن تتبع مسار التشريعات والقرارات المنظمة لعلاقات العمل يكشف عن تحول مأساوي؛ تحولت فيه الدولة من حامٍ للطرف الأحدث والأضعف في العملية الإنتاجية إلى مجرد “موثق للواقع” ومشرّع لغلبة الأقوى.
إن الانتقال التاريخي الممنهج من سقف الـ 7 ساعات يومياً في المنشآت الصناعية -الذي أقرته التشريعات التاريخية كالقانـون رقم 133 لسنة 1961 إدراكاً لطبيعة الجهد البدني والذهني واستهلاك طاقة العامل في البيئة الصناعية- إلى اعتماد الـ 8 ساعات رسمياً عبر قرارات تنظيمية متلاحقة مثل القرار رقم 289، لم يكن مجرد تعديل إداري بريء، بل كان إعلاناً صريحاً عن الانحياز لكفة رأس المال على حساب أجساد العمال وصحتهم.
تقنين الإجهاد وتدمير معايير الحماية
إن قبول تمديد ساعات العمل الأساسية تحت ذريعة “الاعتراف بالواقع” يعكس فهماً مقلوباً لدور التشريع. فوظيفة القانون ليست أن ينقل انتهاكات أصحاب الأعمال وممارساتهم الاستغلالية إلى نصوص رسمية، بل أن يكبح جماح هذا الاستغلال. وحين تصبح ورديات الـ 12 ساعة في قطاعات التصنيع الحرجة كالحقن والتشغيل واقعاً يومياً معتاداً، فإن ذلك لا يعدو أن يكون سخرة مقننة بغطاء قانوني، حيث يُستهلك العامل حتى الاهتلاك، بينما تتوارى معايير السلامة والصحة المهنية خلف تقارير ورقية صماء.
مثلث الانهيار: اتحاد غائب، وزارة منحازة، وسوق بلا بدائل
ولا يمكن فصل هذا التآكل التشريعي عن البنيان المؤسسي الحاكم لسوق العمل اليوم؛ وهو بنيان يقوم على ثلاثة أضلع شديدة الهشاشة:
اتحاد عام غائب عن قواعده: لقد أدى تراجع الدور التاريخي للتنظيمات النقابية الرسمية وتحولها إلى هياكل بيروقراطية معزولة عن أرض الإنتاج إلى فقدان العمال درعهم الحقيقي، وباتت الهياكل النقابية أحياناً مبررة لقرارات خفض التكلفة لا مدافعَة عن الحقوق.
وزارة عمل تتحول لوسيط رأس المال: فبدلاً من تفعيل دور التفتيش وضمان الحد الأدنى من شروط العدالة، تلعب أجهزة الإدارة أحياناً دور المسهل لعمليات خفض التكلفة وتهدئة الاحتجاجات لصالح المستثمرين، متغاضية عن انتهاكات صارخة لأبسط حقوق العمال.
سيطرة القطاع الخاص المطلق وغياب البدائل: مع جروج الدولة من الإنتاج واعتمادها الكلي على قطاع خاص يفرض شروطه المنفردة، وتحت وطأة بطالة منتشره وغياب المنافسة الحقيقية، تحول مبدأ “العرض والطلب” إلى سوط مسلط على رقاب العمال الكادحين؛ اصبح قبول الاستغلال القاسي “فريضة واقعية” لا مفر منها لمن يحاول تأمين لقمة العيش.
إن تفريغ قانون العمل من محتوييه الحمائي ليس مجرد خلل تشريعي عابر، بل هو تهديد بنيوي لاستقرار المجتمع وإنتاجيته على المدى الطويل. وحين يصبح القانون أداة لتبرير الإرهاق المنظم وتجريد العامل من أدوات دفاعه، فإن الأمان الاجتماعي برمته يصبح على المحك. المعركة الحقيقية اليوم ليست في تعديل مادة أو إصدار قرار إداري، بل في استعادة الفلسفة الاجتماعية للتشريع، وبناء توازن حقيقي يعيد للعمل الإنساني قيمته ول
لكادحين كرامتهم.
عار النصوص.. حين تصبح الدولة موثقاً لسرقة عرق العمال


