علي مشالي
يرى المنظر الاجتماعي اميل دوركايم بإن الدين والطقوس ليست مجرد معتقدات فردية بل هي ممارسات تنتج التضامن الإجتماعي وتجدد ما يسميه بالضمير الجمعي، كما يذهب إلى مفهوم الفوران الجمعي اي الحالة التي يعيشها الناس في التجمعات والشعائر الكبرى فتعزز الروابط الاجتماعية وترسخ القيم المشتركة، بينما يرى الفيلسوف الإسلامي محمد باقر الصدر إن المجتمع تحركه القيم والسنن التاريخية وإن الإنسان والقيم والرسالة عناصر فاعلة في صناعة التأريخ وإن التغيير الإجتماعي يبدأ من تغيير الإنسان وقيمه، حيث يبين الصدر إن الإسلام يقدم مشروعا حضاريا يقوم على العقيدة والقيم وليس مجرد منظومة شعائر معزولة عن المجتمع.
ومن خلال المنظور الذي يراه دوركايم والصدر يمكن النظر إلى الاربعين وفهمه على أنه رسالة اجتماعية واخلاقية متجددة تعمل على إعادة إنتاج قيم مختلفة من العدالة والايثار والتكافل الاجتماعي الحاصل في واقعنا المعاصر، فهي تشكل تمثيلا للتفاعل في العقيدة التي توجد عند الإنسان مع الواقع الذي يعيشه، العقيدة التي تمنح المعنى والاجتماع الذي يجعل الأمة في حالة قوة مستمرة.
لذلك لا يمكن النظر إلى رسالة الاربعين وما فيها على أنها حدث متكرر في كل عام بما يصحبه من مجريات لما فيه، بل تجديد الواقع والعمل على تحويل المبادئ التي قام من أجلها صاحب الذكرى الإمام الحسين (عليه السلام ) إلى سلوك اجتماعي يعيشه الملايين من البشر، فتصبح بذلك الشعيرة هذه أو الطقس كما يراها دوركايم إلى وسيلة لترسيخ الهوية والشعور بعمق الانتماء وبناء العلاقة الانسانية بين الإنسان والآخر على أساس متكافل من العطاء والمسؤولية المشتركة حسب كل ذي قابلية وطاقة يستطيع من خلالها، لتصبح بذلك القيم التي يراها الصدر محركا للمجتمع قادرة على صناعة الحاضر واستشراف المستقبل من خلال منظومة اسستها النهضة الحسينية.
لذا فإن الاربعين بعد النظر إليه لا يريد من الإنسان الجمود والسكينة والبقاء كعامل شاهد على الماضي دون إن يتحرك إلى الأمام ويكون شريكا في عملية صنع المجتمع وصنع حاضره ومستقبله، حتى تكتمل بذلك مشروعية الرسالة في ادامة ذكراها كحالة مشروع أخلاقي وسلوكي وثوري وقيمي ينعكس في حياة المجتمع والفرد، لتتمثل الاربعين ورسالتها في حالة تغييرية عند الإنسان فتتحول من انفعال إلى فعل ومن عاطفة إلى مسؤولية يحملها ومن إعجاب وتأمل بالحادثة التي أخرجت هذه المبادئ إلى التزام وحملها بذهنه وسلوكه دائما، فالوعي برسائل الاربعين وتطبيقها هو الأقرب للإنسان بإن يتحول إلى حسيني فاعل بدلا من انتمائه إلى حسيني عددي.
وفي الختام لا بد أن تكون هنالك ضرورة فكرية وعملية للإنسان بعد المعرفة بإن الشعائر والطقوس تؤدي وظيفة بناء المجتمع وتعديل سلوكه وإن الاربعين ليست مجرد ذكرى بل رسالة تتجدد يحملها في مهمة الصناعة الإنسانية والقدرة على الخوض في ميادين الحياة بقيم اربعينية، فالاربعين لا ينتهي بانتهاء الزيارة، بل يبدأ في الأسرة والعمل والمؤسسة والعلاقة مع كل أفراد المجتمع، وإن تحقيق رسالة الاربعين وغايتها مهمة الإنسان الحسيني الفاعل.

