في مقهى الفلاسفه لماذا يتجول العقل بنا ليلا؟
بقلم: محمد عطا القطيعي
هناك، في تلك الساعة التي ينام فيها أكثر الناس، يبدأ بعضهم رحلةً أخرى؛ رحلة لا تحتاج إلى طريق، ولا إلى سيارة، ولا إلى رفيق.
رحلة داخل النفس.
ولهذا اجتمعنا الليلة في «مقهى الفلاسفة».
ليس مقهى له عنوان على الخريطة، ولا مقاعد مرقمة، ولا قائمة أسعار معلقة على الحائط؛ إنه مقهى يسكن في مكان آخر… في المسافة الغامضة بين الفكرة وصاحبها، وبين السؤال وإجابته، وبين ما نقوله للناس وما نقوله لأنفسنا حين لا يكون معنا أحد.
في مقهى الفلاسفة، لا يجلس الناس بحسب أموالهم، ولا بحسب مناصبهم، ولا بحسب عدد متابعيهم.
هنا يجلس الإنسان أمام فكره.
على طاولة يجلس الأديب، وبجواره المفكر، وفي الطرف الآخر كاتب ساخر يبتسم للأشياء التي يبكي منها الآخرون، وبالقرب منه صاحب رأي يعرف أن امتلاك الرأي لا يعني امتلاك الحقيقة كلها.
وهناك من يقول الكلمة فيصمت الجميع…
ليس لأنه أعلى منهم، وإنما لأن كلمته جاءت في وقتها.
لماذا نتجوّل بعقولنا ليلًا؟
سأل أحدهم السؤال، فابتسم الفيلسوف وقال:
لأن النهار مشغول بنا… أما الليل فنحن المشغولون بأنفسنا.
في النهار، نجيب عن أسئلة الآخرين.
أما في الليل، فتبدأ الأسئلة التي نخفيها عن الآخرين.
ماذا فعلت اليوم؟
هل كنت صادقًا مع نفسك؟
هل ظلمت أحدًا؟
هل سكتَّ عن كلمة كان يجب أن تقولها؟
هل قلت كلمة كان الأولى أن تصمت عنها؟
هل ما تكتبه يعبر عنك حقًا، أم أنك تكتب ما يرضي الآخرين؟
وهنا يبدأ العقل في التجوال.
يفتح درجًا قديمًا في الذاكرة، ويستخرج موقفًا نسيه صاحبه، ثم يضعه أمامه ويقول:
تأمل!
ويعيد جملة قيلت منذ سنوات، ونظرة مرت سريعًا، وموقفًا لم نفهمه في وقته.
إن العقل لا ينام بسهولة حين يكون صاحبه صاحب سؤال.
ولذلك ليس كل من يسهر ليلًا مهمومًا، وليس كل من يطيل التفكير حزينًا.
بعض الناس يسهرون لأن عقولهم لم تجد بعدُ السؤال الأخير.
في مقهى الفلاسفة… لا أحد يدّعي أنه فيلسوف
والعجيب أن أكثر الناس حكمة قد يكونون أبعد الناس عن ادعاء الحكمة.
فالفيلسوف الحقيقي لا يدخل عليك مرتديًا تاجًا من الكلمات.
لا يقول لك:
أنا أفهم كل شيء.
بل يقول:
ربما أكون مخطئًا.
وهذه الجملة وحدها قد تكون بداية العقل.
فالمتكبر يغلق باب المعرفة عندما يظن أنه وصل، أما المتواضع فيترك الباب مفتوحًا لأن لديه يقينًا بأن وراء كل إجابة سؤالًا جديدًا.
هؤلاء هم رواد مقهى الفلاسفة.
يقرأون قبل أن يكتبوا.
ويفكرون قبل أن يحكموا.
ويحللون قبل أن ينتقدوا.
وإذا انتقدوا، لم يكن نقدهم مطرقةً تهشم الإنسان، وإنما مصباحًا يكشف موضع الخلل.
نقدهم بناء… لا هدم.
لا يبحثون عن عيب في إنسان ليشمتوا به، وإنما يبحثون عن خطأ في فكرة ليصححوها.
فالفكر الذي يحتاج إلى تحطيم صاحبه حتى ينتصر ليس فكرًا قويًا؛ لأن الفكرة القوية تستطيع أن تنتصر دون أن تهين صاحب الفكرة الأخرى.
أصحاب الرأي والرأي الآخر
وفي المقهى طاولة شهيرة لا يجلس عليها إلا اثنان:
صاحب الرأي…
وصاحب الرأي الآخر.
ولا يطرد أحدهما الآخر.
لأن أصحاب العقول يعرفون أن اختلاف الرأي لا يعني اختلاف الإنسانية.
وقد يكون اختلافك معي هو الشيء الذي يجعلني أرى ما لم أره.
فالذي يريد أن يسمع صوته وحده لا يبحث عن حوار، وإنما يبحث عن صدى.
أما المثقف الحقيقي، فهو الذي يستطيع أن يجلس أمام من يخالفه دون أن يتحول الاختلاف عنده إلى خصومة.
نختلف في الفكرة، ولا نختلف في حق الإنسان في أن يفكر.
وهنا تحديدًا يصبح الحوار مدرسة.
ثم تأتي الكلمة…
في مقهى الفلاسفة، للكلمة طاولة مستقلة.
يجلس عليها الأدباء والكتاب وأصحاب البيان.
لأنهم يعرفون أن الكلمة ليست حروفًا مصفوفة.
الكلمة موقف.
والكلمة أثر.
والكلمة قد تكون دواءً، وقد تكون جرحًا.
قد ترفع إنسانًا من قاع اليأس، وقد تهوي بآخر إلى قاعه.
قد تصلح علاقةً، وقد تهدم بيتًا.
قد تشعل فتنة، وقد تطفئ فتنة.
وقد تفعل في الإنسان ما لا تفعله أحيانًا أقوى المؤثرات المادية.
ولهذا كانت الكلمة مسؤولية.
فالكاتب الحقيقي لا يسأل فقط:
ماذا أريد أن أقول؟
بل يسأل أيضًا:
ماذا ستفعل كلمتي حين تصل إلى قلب من يقرأها؟
وهنا يصبح القلم أمانة.
هم عصارة البشر…
هؤلاء الذين يجلسون في مقهى الفلاسفة ليسوا معصومين.
هم يخطئون.
ويختلفون.
ويغضبون.
ويتعلمون.
لكن الفرق أنهم لا يخجلون من مراجعة أنفسهم.
قد ترى أحدهم متماسكًا أمام الناس، ثم تراه في آخر الليل متضرعًا إلى الله، خائفًا من تقصيره، راجيًا رحمته.
وهنا تعرف أن قوة الإنسان ليست في أن يبدو بلا خوف…
بل في أن يعرف لمن يلجأ حين يخاف.
فالفكر الراقي لا يصنع إنسانًا متعاليًا، وإنما يصنع إنسانًا أكثر تواضعًا.
كلما اتسعت معرفته، اتسعت أمامه مساحة المجهول.
وكلما قرأ أكثر، اكتشف كم بقي عليه أن يقرأ.
وكلما عرف الناس أكثر، أدرك أن لكل إنسان قصة لا تظهر على وجهه.
لماذا لا ينام هؤلاء؟
لأن بعض العقول لا تبحث عن النوم…
بل تبحث عن المعنى.
تسهر لتفهم.
وتتأمل لتطمئن.
وتراجع نفسها لكي لا تكرر أخطاءها.
وتقرأ لأن الكتاب بالنسبة إليها ليس ورقًا، وإنما نافذة.
وتكتب لأن الصمت أحيانًا يعجز عن حمل كل ما في الداخل.
وفي منتصف الليل، حين يظن العالم أن كل شيء قد انتهى، يكون هناك عقل ما يزال يقول:
ماذا لو؟
وماذا لو كان ما أظنه يقينًا مجرد زاوية من الحقيقة؟
وماذا لو كان الخطأ الذي أراه في الآخرين موجودًا فيّ أيضًا؟
وماذا لو كانت الحياة لا تريد مني أن أكون أكثر صخبًا، بل أكثر فهمًا؟
عندها يبدأ التجوال الحقيقي.
ليس تجوال القدمين…
بل تجوال العقل بين الاحتمالات.
وعندما يقترب الفجر…
يهدأ المقهى.
يضع الأديب قلمه.
يطوي المفكر أوراقه.
يتوقف الساخر عن ابتسامته.
يصمت صاحب الرأي.
ويغلق صاحب الرأي الآخر كتابه.
ثم يسأل أحدهم:
— هل وصلنا إلى الحقيقة؟
فيجيبه كبير الفلاسفة:
لا.
— إذن ماذا فعلنا طوال الليل؟
فيبتسم ويقول:
تعلمنا كيف نبحث عنها دون أن ندّعي أننا نملكها.
وهنا ينتهي اللقاء…
لكن لا تنتهي الفكرة.
فربما كان أجمل ما في «مقهى الفلاسفة» أنه لا يغلق أبوابه أبدًا.
لأن مقهى الفلاسفة الحقيقي ليس مكانًا تجلس فيه…
ولذلك…
إذا وجدت نفسك في ليلة هادئة، تحدق في السقف، وتتنقل من فكرة إلى فكرة، ومن ذكرى إلى ذكرى، وتسأل أسئلة لا يعرف أحد أنك تسألها…
فلا تستعجل النوم.
ربما لم يكن عقلك مضطربًا كما تظن.
ربما كان فقط…
يتجول بك في مقهى الفلاسفة.
————–القطيعى الشريف————–

