قصر العيني.. من طموح بونابرت إلى عبقرية “التمصير” الطبي
كتب : احمد سلامة
نستعرض من خلال توثيقنا لمسيرة “قصر العيني” مع اقتراب مئويته الثانية، كيف تحول الطموح الفرنسي من مجرد حملة عسكرية عابرة إلى مشروع حضاري مستدام على يد “أنطوان بارتليمي كلوت” (كلوت بك)، الذي لم يكن في السردية الفرنسية مجرد طبيب، بل كان المسكون بـ “أسطورة نابليون” التي وجهت كل خطواته لتقمص دور “بونابرت الشرقي” في ميدان العلم؛ فمنذ وطأت قدماه الإسكندرية عام 1825، كان يرى في بقايا الاستحكامات الفرنسية ذكريات جيش بلاده المجيد، بل بلغ به الشغف حد محاكاة تفاصيل حياة القائد العظيم بالنوم في فراشه الخاص في السويس، مؤمناً بأن محمد علي هو الوريث الشرعي لبونابرت الذي سيحقق “تجديد مصر” عبر تلقيح بذور العلم التي بذرتها الحملة الفرنسية وسقتها بدماء علمائها.
وقد تجلى هذا التقليد لنهج بونابرت في اختراق كلوت بك للموانع الاجتماعية بجرأة عسكرية؛ فكما كان نابليون يكسر القواعد لفرض واقع جديد، أدرك كلوت ببراغماتية عالية ضرورة دمج المرأة في المنظومة الصحية، فقام بخطوة في غاية الذكاء بتدريب الجواري الحبشيات والسوداوات، ثم أتبع ذلك بإدخال “16 فتاة عربية” سراً إلى المستشفى وتدريبهن على فنون القبالة والتمريض والقراءة والكتابة، واضعاً إياهن تحت إشراف اثنين من “الخصيان” الذين تحولوا بفضله إلى أطباء أكفاء، لينجح بذلك في تحويل نظام “الحريم” التقليدي إلى نواة لحداثة طبية تكسر حواجز النوع والعرق، تماماً كما حاول بونابرت سابقاً خلخلة البنى التقليدية للمجتمع لإدخال مفاهيم الحداثة.
ولم يتوقف انصهاره عند هذا الحد، بل تبنى كلوت بك استراتيجية “التمصير” التي كانت صدى مباشراً لمحاولات نابليون الشهيرة للتقرب من وجدان المصريين وإظهار احترامه لعقائدهم؛ فجعل كلوت من نفسه “مصرياً” بالزي والروح ليفهم البلاد من الداخل، فأصر على أن تكون اللغة العربية هي لغة العلم رغم إيمانه بمركزية الفرنسية، وقام بتدريب المترجمين، بل ودمج الثقافة المحلية في النظام العلاجي عبر إدخال أطعمة مصرية كـ “الخبيزة والبامية” في حمية المرضى، ممهداً الطريق لشرعنة التشريح من خلال البدء بتشريح جثث غير المصريين، في مناورة سياسية وعلمية تشبه مناورات بونابرت لإقناع علماء الأزهر بجدوى مشروعاته تدريجياً دون صدام مباشر.
هذا “الوطن الثاني” الذي اختاره كلوت بك، منحه ما أسماه الباحثون “الانتقام الاجتماعي”؛ فابن الرقيب في جيش بونابرت الذي أُبعد عن مرسيليا، وجد في قصر العيني فضاءً رحباً ليعيد تمثيل طموحات القائد الذي عشقه، مؤسساً مدرسة طب “أبو زعبل” ثم امتدادها في القاهرة عام 1837. وبالرغم من كراهيته للنظام العثماني، إلا أنه استثنى “عبقرية” محمد علي بكونه بونابرت الشرق، معتبراً أن مشروعه هو الرد الحضاري الذي أعاد لمصر عظمتها القديمة التي بشر بها علماء الحملة الفرنسية، ليظل كلوت بك الطبيب الذي لم يكتفِ بنقل العلم، بل صاغ هوية طبية مصرية خالصة، محققاً بـ “المشرط” ما أراد نابليون تحقيقه بـ “السيف”.
وتكشف لنا الدراسة أيضاً كيف كان كلوت بك “مُدخلاً” للطب الحديث في وقت اجتاحت فيه البلاد أمراض فتاكة مثل الرمد والكوليرا والطاعون، حيث خاض معركة فكرية لإقناع الناس بجدوى التطعيم، تماماً كما كان بونابرت يروج لبعثاته العلمية كأداة لإنقاذ السكان. وحتى في أدق تفاصيل حياته، ظهر انصهاره في الهيئة المصرية من خلال صورته بالزي الشرقي التي رسمها البارون “جرو”، معتبراً أن العمل الميداني يجب أن يكون بلسان وروح مصرية لضمان بقاء الأثر، ليثبت قصر العيني عبر الزمان أن مسيرة “المنفى” لهذا الطبيب تحولت إلى أعظم قصة نجاح مهني، جسدت استمرارية الحلم الفرنسي في بناء نهضة علمية على ضفاف النيل
قصر العيني.. من طموح بونابرت إلى عبقرية “التمصير” الطبي


