الرئيسيةمقالات# لستُ مُسيّراً ## ما الفرق بين الدين والهوية؟ كتبت : زهره اللوتس
مقالات

# لستُ مُسيّراً ## ما الفرق بين الدين والهوية؟ كتبت : زهره اللوتس

# لستُ مُسيّراً ## ما الفرق بين الدين والهوية؟ كتبت : زهره اللوتس

الدين هو معتقد تعتنقه الشعوب، ويمثل علاقة الإنسان بربه وسلوكه الروحي والأخلاقي. أما الهوية، فهي بصمة شعب كامل؛ نتاج تاريخ ممتد، وأرض ثابتة، وحضارة تراكمت عبر آلاف السنين. والهوية لا ترتبط بالجغرافيا السياسية ارتباطاً طردياً، فالجغرافيا عبارة عن مساحة أرض شاسعة تتواجد عليها دول وشعوب، وكل شعب من هؤلاء يمتلك هوية ومعتقداً مستقلاً عن الآخر. وإن كان هناك شعب يمتلك معتقداً معيناً، وبجواره شعب آخر يمتلك المعتقد ذاته، فلا يصح بنيوياً ولا تاريخياً القول بإنّهما يمتلكان هوية واحدة.
وينطبق هذا التفكيك المنهجي على مصر والعالم العربي. فمن الناحية التاريخية، يقتصر وصف “الدول العربية” عرقياً على دول الخليج العربي ودولة اليمن؛ وما دون ذلك من الدول التي انضمت إلى الفضاء العربي لاحقاً تُصنف تاريخياً كدول “مستعربة” وليست عربية العرق. الدول العربية الأصيلة هي التي نطق أهلها الأصليون باللغة العربية كلسان أم نشأ في بيئتهم، أما الدول المستعربة فهي التي تبنت اللسان العربي الفصحى بعد الفتوحات الإسلامية، وهنا يتركز الحديث عن دولة مصر تحديداً دون غيرها.
لقد مرت على مصر عبر تاريخها الطويل احتلالات وحملات عسكرية متعددة: الفرس، واليونانيون، والبطالمة، والرومان، ثم الفتح الإسلامي. وإذا تحدثنا بالمنظور والمصطلح السياسي المباشر، فإن دخول أي قوة عسكرية بأعتاد وسلاح يُصنف سياسياً وفعلیاً كاحتلال, بينما يصفه المنظور الديني بالفتح والنصر العظيم.
في أثناء الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص، كان المصريون يتحدثون اللغة القبطية. والقبطية ليست لغة يونانية، بل هي الامتداد المباشر والمرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة، ولكن نتيجة للتحولات السياسية والاحتلالات المتلاحقة، استعار الشعب المصري مفردات وحروفاً من لغات أخرى (كاليونانية) فصيغت في قالب جديد عُرف باللغة القبطية.
عندما دخل المسلمون مصر، لم يجبر عمرو بن العاص المصريين على اعتناق الإسلام، واستمروا في التحدث بلغتهم القبطية عقوداً طويلة، حتى عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، الذي أصدر قراراً بتعريب الدواوين (الإدارة الرسمية للدولة). وفي العصر الأموي، واجه المصريون سياسات تمييزية وعنصرية من بعض الولاة والحكام العرب تجاه الموالي وأصحاب الأرض، وهو ما وثقته كتب التاريخ الفعلي؛ حيث اندلعت انتفاضات شعبية كبرى عُرفت في التاريخ بـ “ثورات البشموريين” الأولى. وفي عهد الدولة العباسية تكررت الأزمة ذاتها واندلعت ثورة البشموريين الثانية، مما اضطر الخليفة المأمون إلى القدوم بنفسه على رأس جيش لإخمادها في الدلتا.
لقد قام الشعب المصري بهذه الثورات ليس اعتراضاً على جوهر الدين، بل رفضاً للممارسات الطبقية، والظلم المالي، والتعسف الذي ألحقه الحكام بالبلاد. وتجاوزاً للمناهج الدراسية التقليدية التي تعمد أحياناً إلى تجميل التاريخ وإظهار الحكام كملائكة لا يخطئون، فإن التاريخ السياسي يؤكد أن حكام الممالك الإسلامية كانوا بشرًا يُصيبون ويُخطئون، وتحركهم الصراعات السياسية؛ ولنا في أحداث الفتنة الكبرى، ومقتل الحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه صراعات واضحة على السلطة والحكم.
مع انتقال الحكم إلى الدولة الفاطمية، التي بسطت نفوذها على مصر بعد انتزاعها من الإخشيديين، بنى القائد جوهر الصقلي مدينة “المنصورية” التي أعاد تسميتها الخليفة المعز لدين الله الفاطمي لاحقاً بـ “القاهرة”، لتصبح “قاهرة المعز”. وفي العهد الفاطمي، وتحديداً في فترة الحاكم بأمر الله، أُجبر المصريون على التحدث باللغة العربية الفصحى في الشارع والحياة العامة تحت طائلة العقوبات الجسدية الصارمة كقطع الألسنة، مما عجل بفرض اللغة العربية كلسان رسمي وعام للبلاد حتى هذه اللحظة.
وفي ثلاثينيات القرن العشرين، ومع تأسيس جامعة الدول العربية، كُرست مصر كدولة عربية استناداً إلى لسانها الحالي، وهويتها الإسلامية الرسمية، ومحيطها الجغرافي. واليوم، عندما تظهر أصوات وطنية تنادي بأن المصريين ليسوا عرباً عرقياً، يسارع بعض فقهاء الدين والشيوخ إلى اتهامهم بالتحايل لتدمير الأمن القومي العربي وإخراج مصر من فلكها الإقليمي.
وهنا تُطرح الأسلة الجوهرية: هل مجرد نطق مصر باللغة العربية، وكونها دولة ذات أغلبية مسلمة، وتواجدها في محيط جغرافي معين، يجعلها عربية الهوية بالضرورة؟
* **مقياس اللغة:** دولة البرتغال تتحدث لغة قريبة جداً من الإسبانية (وتنتمي لذات العائلة اللغوية ونفس شبه الجزيرة الإيبيرية)، فهل البرتغال دولة إسبانية؟ لا.
* **مقياس الدين:** لو كان الدين هو المحدد الأساسي للهوية، لكانت جميع الدول ذات الأغلبية الإسلامية (مثل إندونيسيا، وماليزيا، وباكستان) تتشارك هوية واحدة وثقافة واحدة مع الدول العربية، وهو ما ينفيه الواقع تماماً. وحتى في الغرب، النمسا وألمانيا، رغم اشتراكهما في الديانة المسيحية واللغة الألمانية والجوار الجغرافي، إلا أن كلاً منهما تمتلك هوية وطنية وتاريخية مستقلة تماماً عن الأخرى.
* **مقياس الجغرافيا:** لو كان الأمر يقاس بالمحيط الجغرافي المشترك أو اللغة، لكانت جميع الدول الناطقة بالإنجليزية في العالم تتشارك هوية واحدة وثقافة واحدة، وهو ما ينفيه الواقع تماماً.
* **نموذج آخر:** في دول شمال إفريقيا كالجزائر، يتم استخدام اللغة الفرنسية على نطاق واسع في منصات التواصل والمؤسسات، فهل يعني ذلك أن الجزائر دولة فرنسية؟ الإجابة واضحة.
بناءً على ذلك، تبرز خطورة الطرح المسمى بالحركة الفكرية “الأفروسينتريك” (Afrocentricity)؛ حيث يدعي بعض منتسبيها من الجماعات ذات الأصول الإفريقية في أمريكا والغرب أنهم أصحاب الحضارة المصرية القديمة الحقيقيون، وأن لهم الحق في أرض مصر. ويبني الأفروسينتريك سرديتهم على فكرة أن المصريين الحاليين ليسوا سوى أحفاد الغزاة العرب الذين قدموا من شبه الجزيرة العربية مع عمرو بن العاص وأخرجوا السكان الأصليين، وهو ادعاء باطل علمياً وتاريخياً.
كما تحاول هذه السرديات استقطاب بعض الآراء في السودان بادعاء أنهم بناة الحضارة المصرية، مستشهدين بالأهرامات الموجودة في شمال السودان (منطقة البجراوية وكوش). والتفسير التاريخي لوجود هذه الأهرامات هو أن السودان القديم (مملكة كوش) خضع في فترات طويلة للحكم والنفوذ الثقافي المصري المباشر، فنقلوا التقاليد الملكية المصرية وطقوس الدفن وبناء الأهرامات كنوع من المحاكاة المتأخرة وبأحجام أصغر، مما لا يمنح أي حق للأفروسينتريك أو غيرهم في ادعاء ملكية الأرض المصرية أو وراثة حضارتها.
لقد حسم العلم الحديث وعلم الجينات الوراثية هذا الجدل؛ حيث أثبتت الفحوصات والدراسات الجينية الواسعة على الحمض النووي (DNA) للمصريين الحاليين (مسلمين ومسيحيين) أنهم امتداد جيني مباشر ومستمر للمصريين القدماء بنسب هائلة ومؤكدة تشير الدراسات إلى أنها تتراوح بين 74% إلى 84%، وأحياناً تصل إلى أكثر من 90%، وأن الهجرات العربية أحدثت تأثيراً وراثياً محدوداً لم يغير الكتلة الجينية الأساسية للشعب.
أما المحاولات التاريخية لوصف مسيحيي مصر بأنهم من أصول يونانية فهي مغالطة؛ فالديانة المسيحية دخلت مصر في أثناء حقبة الاحتلال الروماني، وآمن بها المصريون الأصليون على أرضهم، مثلما آمن جزء كبير منهم بالإسلام لاحقاً؛ فالدين يتغير لكن العرق والأرض ثابتان.
إن مصر ليست مجرد دولة عربية عابرة؛ بل هي دولة حضارة وسيادة ذات خصوصية تاريخية متفردة. ومن الخطأ الفكري ربط الهوية الوطنية بالكامل بالفضاء العربي وإغفال الجذور المصرية القديمة، لأن هذا الإغفال يترك الساحة الثقافية لتيارات مثل “الأفروسينتريك” التي تتلقى دعماً من مؤسسات عالمية لتزييف الوعي وصناعة سردية باطلة تحاكي الآليات التي نفذتها الصهيونية عالمياً لتبرير استلاب أرض فلسطين وتشريد شعبها بناءً على روابط تاريخية مختلقة.
وبعد كل ما سُرد من حقائق ودلائل، أتوجه بالخطاب إلى ذلك الوعي الجمعي المستسلم: هل بعد حديثي هذا ما زلتَ مقتنعاً أنك عربي العرق والدم؟ هل ما زلت مقتنعاً أن تمسكنا بجذورنا المصرية الأصلية يمثل خطراً على الأمن القومي؟ لماذا تستمرون في إطلاق أحكام التكفير، وتتهموننا بالإرهاب والخيانة لمجرد أننا رفضنا الذوبان وتبعية اللسان؟
لقد حبانا الله بالعقل والمنطق لنبحث، ونُفكك، ونستنطق التاريخ؛ فلماذا الركض خلف القطيع دون تفكير؟ ولماذا لا تبحثون وتنقّبون عن الحقيقة كما بحثتُ أنا؟
الآن، أترك القرار النهائي لك أيها المصري؛ حدد لنفسك بوعي وحرية: هل أنت مصري مسلم/مسيحي، أم أنت عربي وتترك بلادك وحضارتك لتُنسب لغيرها؟ القرار يرجع إليك وحده، فاختر لنفسك إما أن تكون باحثاً حراً.. أو تابعاً مسيراً.
**بقلم: زهرة اللوتس 🪷**
### المصادر التاريخية والعلمية المرجعية:
1. كتاب «تاريخ الخلفاء» لجلال الدين السيوطي، وكتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي.
2. كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمؤرخ تقي الدين المقريزي، وكتاب «تاريخ مصر من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الفاطمي».
3. كتاب «تاريخ الأمة المصرية»، ومؤلفات العالم اللغوي ورنر فيسيشل حول اللغة القبطية.
4. الدراسة الجينية الصادرة عن معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري في ألمانيا ومجلة نيتشر العلمية (عام 2017).
5. كتاب «الحضارات الإفريقية القديمة» للمؤرخ # لستُ مُسيّراً
## ما الفرق بين الدين والهوية؟كتبت : زهره اللوتسكارل ريتشارد ليبسيوس، وأبحاث علم الآثار حول مملكة كوش.

# لستُ مُسيّراً
## ما الفرق بين الدين والهوية؟

كتبت : زهره اللوتس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *