حسين الذكر
قبل ايام قرأت منشورا في الفيس لجارنا الذي انتقل لمنطقة اخرى منذ عقود جاء فيه : ( لقد سكنت سنوات في مدينة الحرية الثانية ورحلت عنها منذ ستين عاما . كنا جيران رجل مؤمن طيب المعشر كله خير يدعى الحاج عباس ( ابو فرج ) البهادلي ومن يعرف عنه شيء يبلغني ) .
كان يسأل عن ( ابي رحمه الله ) .
من بقايا ذاكرة طفولتي مع والدي الذي غادر دنياه دامعا سجلني بمدرسة المحمدية في مدينة الحرية وكنت ارتدي ( دشداشة بازة مقلم ) لم أحمل من المستمسكات حينها سوى الجنسية وصور شمسية عبر آلة الصندوق الخشبي التي كانت شائعة انذاك وتلتقط في الشارع كبقية الباعة المتجولين باسعار زهيدة وطلبت الادارة منه ( نصف دينار ) رسم تسجيلي بالمدرسة فرفض واخذ يصيح عاليا : ( انا رجل كاسب لا املك المبلغ وظلم يحرم الطفل من التعليم ) اتذكر ان احد المعلمين من جيل ( كاد المعلم ان يكون رسولا ) بلغ الادارة قائلا : ( انا ادفع ربع دينار بدل عنه وبعد نصف السنة يسدد الحاج بالتقسيط الربع الباقي . حل الاشكال وتم تسجيلي علما ان ابي لم يدفع الربع دينار المتبقي ولم يراجع المدرسة بعدها اطلاقا ).
في استرجاع شريط الايام لم ار ابي بمكان آخر طوال حياتي الا في ( العمل والجامع والبيت) واثناء خدمتي العسكرية الطويلة الحزينة كلما نزلت مجازا لبيتنا لم اطرق الباب خشية قلق اهلي اذ ان طرقه ليلا كان يخيف ، بل كنت اتسلق الحائط وانادي امي رحمها الله من الشباك فتفتح الباب و– يشهد الله – خلال عشرة سنوات من الخدمة باي جزء من الليل اصل ما وجدته الا قائما يصلي برغم آلامه وحزنه ومرضه العضال .
في مطلع السبعينات تطلب سفر امي وابي الجنوب فوصى صديقه – زاير خصاف رحمه الله – وهو رجل كبير مصاب بعوق اصابع يديه وقدميه ان يبات في باحة بيتنا للاطمئنان علينا وكان مؤمنا زاهدا يشبه ابي يقرا القرآن ويؤذن فجرا حتى نصحى على صوته الحزين وهو يناجي ربه فجرا : ( اللهم بحق هذا اليوم الذي جعلته للاسلام عيدا ) فسالته على فطرتي ( يا حاج كل يوم عيد حتى في الاحزان ) فقال : يا بني كل لحظة من الله عيد وفضل منه على عباده وما احزاننا الا الطاف الاهية لا نشعر بها ) .
في منتصف الثمانينات عدت يوما لبيتنا مساءً فوجدت جمهرة من النساء يبكين على اختي المريضة جدا وهي تتالم حد الموت .. وقد طلبن من امي ان ينقلوها للمشفى . بهذه الاثناء عاد ابي من المسجد متكا على عصاه فعلم بنيتهن فحمل عصاه واخذ يضرب بالنساء يمينا وشمالا حتى امي واخواتي وقد عصب شاتما ثم قال : ويحكن اي مشفى الم ترن اطفالها يبكون حولها وهي بعين الله وهو افضل من كل طبيب ) .. وبسبب الخشية والحياء تفرق الجمع واذا باختي بعد ساعة سكنت وتشافت وعادت لبيتها مع اطفالها وعاشت بعد ابي عقود.
ما يحز بنفسي اني زرت ابي بذات المشفى التي فقدت ولدي وقرت عيني ( انصار ) بعده بعقود وكان ابي على فراش الموت وهو نائم وامي تجلس بين قدميه حينما رأتني بكت وبكينا معا .. ثم قبلت قدميه وخرجت مسرعا لظروف خاصة انذاك ، بعدها بيومين في 4-10-1994 نعي لي خبر وفاته وكان يوما حزينا بكيت فيه وحيدا بألم وحرقة ومما زاد من آلامي مراقبتي لموكب تشييعه من بعيد لاسباب وظروف بنت وقتها ..
ابي رجل مؤمن ايمانا منقطع بربه جاء العاصمة بغداد بعد الحرب العالمية الاولى وحيدا لم يكن يقرأ ويكتب حفظ القرآن على صدره وعمل مع الناس بمختلف المهن معتمدا امانته واخلاصه واتكاله على الله ، تزوج امي لتشكل له ذراع وشراكة امتدت لعقود وأعال اسرة من ( 14) شخص عشنا بخير وستر فتحنا عيوننا على الدنيا ونحن نمتلك بيتين لم يحققها اي من اولاده برغم دراستنا وتخرجنا من الجامعات .. وهيأ لنا ظروف الدراسة والعيش بكرامة عاش مع امي التي لم ينظر لغيرها طوال حياته حتى انتقل لرحمة ربه راضيا مرضيا بين يدي رب آمن به مذ عرفته حتى فاجعة رحيله .
راسخات ذاكرة حزينة
بعد 32 عام على رحيل والدي !

