من يفتح أبواب الشاشات لمن لا يستحقون
كتب : عماد نويجى
عندما تتحول الفضائيات إلى مصانع للنجومية لا إلى مؤسسات للإعلام
ليست القضية التي تشغل الرأي العام اليوم هي الاتهامات المنسوبة إلى الإعلامية السابقة ( سارة خليفة )
لمن لا يعرف المدعوه تم تحويل اوراقها وأخرين لفضيلة المفتى فى قضية زراعة والإتجار فى المخدرات
لكن القضية الأخطر والتي لا ينبغي أن تضيع وسط صخب الأخبار هي كيف وصلت سارة خليفة إلى الشاشة أصلا
كيف أصبحت مذيعة في قنوات فضائية معروفة وقدمت برامج وشكلت حضورا إعلاميا لسنوات
من الذي منحها الثقة
ومن الذي منحها صفة الإعلامية
ومن الذي راجع أوراقها
ومن الذي تحقق من استيفائها للشروط القانونية إذا كانت المعلومات المتداولة بشأن مؤهلها الدراسي ( الإبتدائية ) وعدم قيدها بنقابة الإعلاميين أو عدم حصولها على تصريح مزاولة المهنة صحيحة
هذه ليست أسئلة عن شخص واحد
بل عن منظومة كاملة
الإعلام ليس مسابقة جمال
الظهور على شاشة التلفزيون ليس مكافأة اجتماعية ولا استعراضا للشهرة ولا طريقا مختصرا إلى الأضواء
الإعلام سلطة حقيقية
قد يكون تأثير المذيع في عقول الناس أكبر من تأثير معلم داخل فصل أو أستاذ داخل جامعة
كل كلمة تقال على الشاشة تصنع رأيا
وكل رأي يصنع سلوكا
وكل سلوك يصنع مجتمعا
فكيف يسمح لأي شخص بأن يمارس هذا الدور دون تدقيق صارم في مؤهلاته القانونية والمهنية
من المسؤول عن صناعة النجوم
في أي مؤسسة محترمة توجد مراحل واضحة للاختيار
فحص للمؤهلات
مراجعة للمستندات
تحقق من استيفاء الشروط
اختبارات مهنية
ثم قرار بالتعيين
فهل حدث ذلك
أم أن أبواب بعض الشاشات كانت تفتح بمعايير أخرى لا يعلمها إلا أصحاب القرار
إذا كانت القوانين تشترط القيد بالنقابة أو الحصول على تصريح مزاولة المهنة فمن الذي راقب تنفيذ هذه القوانين
وإذا لم تكن هناك رقابة فلماذا
وإذا كانت هناك رقابة فلماذا لم تعمل
ليست قضية سارة خليفة وحدها
القضية لا تتعلق بشخص قد تثبت إدانته أو تثبت براءته
القضية أن المجتمع منح الثقة لمن ظهر على الشاشة لأنه افترض أن هناك مؤسسات قامت بدورها قبل أن تقدمه للجمهور
الجمهور لم يختر المذيع
المؤسسة هي التي اختارته
وهي التي منحته المصداقية
وهي التي قالت للمواطن بطريقة غير مباشرة هذا الشخص مؤهل لأن يحدثك كل يوم
فإذا تبين أن الاختيار شابه تقصير فإن المسؤولية لا تتوقف عند الفرد بل تمتد إلى المؤسسة التي صنعت صورته أمام الناس
الإعلام بين الكفاءة والواسطة
هذه القضية أعادت إلى الأذهان سؤالا ظل يتردد لسنوات
كم إعلاميا حقيقيا بقي خلف الأبواب لأنه لم يمتلك الوساطة
وكم وجه ظهر على الشاشة لأنه امتلك العلاقات
كم صاحب موهبة حرم من فرصته
وكم شخص قفز فوق أصحاب الكفاءة لأن معايير الاختيار اختلت
هذه الأسئلة لا تخص قناة بعينها ولا شخصا بعينه
بل تخص صورة الإعلام المصري كلها\
أين نقابة الإعلاميين
إذا كانت النقابة هي الجهة المنوط بها تنظيم المهنة وحماية الجمهور وحماية الإعلاميين أيضا
فمن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام
هل جرى التحقق من أوضاع جميع من يقدمون البرامج على الفضائيات
وهل هناك مراجعة دورية
وهل توجد قوائم معلنة بالمصرح لهم بمزاولة المهنة
وهل تلتزم جميع القنوات بهذه الضوابط
هذه ليست اتهامات
بل أسئلة مشروعة يفرضها حجم المسؤولية
الأخطر من القضية
الأخطر من أي قضية جنائية هو أن يكتشف المجتمع أن بعض المؤسسات قد تكون منحت الشهرة والثقة والتأثير دون أن تتحقق من أهلية من قدمتهم للجمهور
فهنا لا يصبح الخلل في شخص
بل في نظام كامل يحتاج إلى مراجعة
لأن الشاشة ليست ملكا لأصحابها وحدهم
بل هي نافذة تدخل كل بيت وتشكل وجدان كل أسرة
ما الذي يجب أن يحدث الآن
هذه القضية يجب ألا تنتهي بإغلاق ملف متهم أو صدور حكم قضائي
بل يجب أن تبدأ بعدها مراجعة شاملة لمنظومة اختيار المذيعين في الإعلام المصري
إعلان معايير الاختيار بشفافية
التأكد من استيفاء جميع الشروط القانونية والمهنية
إخضاع الجميع دون استثناء للمساءلة
ومحاسبة كل من يثبت أنه قصر أو تجاهل أو سمح بمخالفة الضوابط إن ثبت وجود مثل هذا التقصير
فالإعلام لا يحمي المجتمع إذا كان هو نفسه يحتاج إلى من يحميه
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرح بقوة
إذا كانت قضية واحدة قد كشفت كل هذا الجدل
فكم حالة أخرى لم تنكشف بعد
وكم شخصا ما زال يجلس أمام الكاميرا لا لأنه الأكفأ بل لأنه وجد بابا مفتوحا في منظومة أغلقت أبوابها في وجه أصحاب الكفاءة وفتحتها لغيرهم
هذا هو السؤال الحقيقي
وهو السؤال الذي ينتظر المصريون أن يجدوا له إجابة لا بالشعارات بل بالمراجعة والمحاسبة والشفافية
من يفتح أبواب الشاشات لمن لا يستحقون


