هنا نابل
بقلم: المعز غَنِـي
مطار تونس قرطاج … أول وآخر أنطباع عن تونس قد يبدأ من سيارة أجرة …!
■ ملاحظة
هامة
:
أحيانًا لا يحتاج المسافر إلى أكثر من بضعة كيلومترات حتى يكتشف أن بعض صور الإتتغلال تبدأ قبل أن يغادر بوابة مطار تونس قرطاج الدولي …!
مطار تونس قرطاج الدولي ليس مجرد مدرج تهبط فيه الطائرات وتقلع منه … إنه البوابة الأولى التي يرى من خلالها الزائر تونس ، والواجهة الأخيرة التي يودّع من خلالها المسافر بلاده .
ولهذا فإن كل ما يحدث أمام هذه البوابة لا ينبغي أن يكون شأنًا هامشيًا .
ومن خلال وجودي مؤخرًا بمطار تونس قرطاج الدولي ، في لحظة مؤثرة وأنا أودّع إبني الذي غادر تونس متوجهًا إلى ألمانيا لمواصلة دراسته ، أتيحت لي فرصة الإستماع إلى عدد من المسافرين والقادمين الذين تحدثوا عن تجاربهم مع بعض سيارات الأجرة الموجودة أمام المطار .
والحديث الذي تكرر أمامي لم يكن مريحًا.
شكاوى من مبالغ مرتفعة ، وطلبات مالية غير متوقعة ، وغياب الوضوح حول التعريفة ، وأستغلال حاجة المسافر الذي لا يعرف المكان ولا الإجراءات ، خصوصًا من يزور تونس للمرة الأولى.
وهنا أقول بوضوح :
لا نعمّم .
هناك سائقون محترمون ، وأناس شرفاء يؤدون عملهم بكل أمانة ، ويحملون صورة طيبة عن مهنتهم وعن تونس الخضراء أرض التلاقي والتآخي والمحبة والسلام .
لكن عندما تتكرر الشكاوى من مسافرين مختلفين ، فإن تجاهلها ليس حلًا.
المسافر الذي يصل إلى مطار بلد غريب يكون في وضعية مختلفة عن المواطن الذي يعرف المدينة وشوارعها وأسعارها .
قد يكون مرهقًا بعد رحلة طويلة …
قد يكون يحمل أمتعته وأطفاله …
قد لا يتقن العربية …
قد يكون زائرًا أجنبيًا لا يعرف قيمة الدينار التونسي ولا طبيعة نظام سيارات الأجرة …
وقد يكون تونسيًا مقيمًا بالخارج عاد إلى وطنه بعد أشهر أو سنوات من الغياب .
وفي كل هذه الحالات ، فإن إستغلال عدم المعرفة ليس ذكاءً تجاريًا … بل إساءة إلى الثقة.
وإذا كان المسافر القادم إلى تونس يتعرض لأول أحتكاك له بالبلاد من خلال سيارة أجرة ، فإن تلك الرحلة القصيرة قد تتحول في ذاكرته إلى صورة تختزل بلدًا كاملًا .
وهنا السؤال الذي يستحق أن يُطرح بكل هدوء ومسؤولية :
لماذا تتكرر مثل هذه الشكاوى حول مطار تونس قرطاج تحديدًا ، بينما لا نسمع بالقدر نفسه عن تجارب مماثلة من بعض المطارات التونسية الأخرى ، مثل مطار جربة جرجيس الدولي ، ومطار المنستير الحبيب بورقيبة الدولي ، ومطار صفاقس طينة الدولي؟
لا أملك من خلال هذه الملاحظة وحدها جوابًا قاطعًا ، ولا أريد تحويل الانطباعات الفردية إلى حكم عام .
لكنني أعتقد أن تكرار الشكوى يستحق التثبت والمراجعة والرقابة .
فالغاية ليست التشهير بسائقي سيارات الأجرة ، ولا الإساءة إلى المهنة ، ولا اتهام الجميع .
الغاية ببساطة :
أن تكون سيارة الأجرة في مطار تونس قرطاج وسيلة أستقبال محترمة ، لا مصدر خوف أو مفاجآت مالية للمسافر .
—
■ نصيحة لكل مسافر …
إذا كنت قادمًا إلى مطار تونس قرطاج الدولي ، أو كنت تودّع أحد أفراد عائلتك ، فكن حذرًا وواضحًا قبل ركوب سيارة الأجرة .
المعرفة هنا ليست رفاهية … بل حماية من الوقوع في الإستغلال .
—
أنتم لا تنقلون المسافر من مكان إلى آخر فقط .
أنتم ، شئتم أم أبيتم ، جزء من صورة تونس .
السائق الذي يستقبل سائحًا عند المطار لا يمثل نفسه وحده في تلك اللحظة .
والسائق الذي يعامل تونسيًا عائدًا من الخارج بإحترام ، قد يكون أول من يشعره بأن الوطن ما زال يحتضنه .
والسائق الذي يتعامل بأمانة مع شخص وصل إلى تونس لأول مرة ، قد يترك في نفسه ذكرى أجمل من عشرات الإعلانات السياحية .
فلماذا نربح بضعة دنانير ونخسر سمعة بلد؟
لماذا نبحث عن الربح السريع وننسى أن السمعة رأس مال؟
أتقوا الله في المسافر .
قد يكون عابر سبيل …
وقد يكون ضيفًا …
وقد يكون مريضًا …
وقد يكون أبًا يحمل أطفاله وأمتعته …
وقد يكون شابًا عاد إلى وطنه بعد غياب طويل …
وقد تكون الرحلة بالنسبة إليه لحظة تعب لا تحتمل مزيدًا من الإستغلال .
الرزق الحلال قد يبدو أحيانًا أقل … لكنه أكثر بركة .
والمال الذي يأتي من خدمة الناس بضمير ، مهما كان قليلًا ، أكرم من مال كثير يترك وراءه مظلمة أو دعاءً من قلب مسافر مقهور .
—
تونس التي نحبها لا تختزل في تصرف شخص .
لدينا آلاف التونسيين الذين يرحبون بالضيف ، ويكرمون الغريب ، ويؤدون أعمالهم بشرف ونزاهة .
لكن لأننا نحب هذا البلد ، فمن واجبنا أيضًا أن نقول عندما نرى ما يحتاج إلى إصلاح .
النقد ليس كراهية للوطن … أحيانًا يكون أكثر أشكال محبته صدقًا .
والمطالبة بتنظيم قطاع سيارات الأجرة في محيط المطارات ، وتوضيح التعريفات ، وتعزيز الرقابة ، وتسهيل معرفة المسافر بحقوقه ، ليست حربًا على السائقين ، بل هي حماية للسائق الشريف قبل غيره .
لأن السائق الذي يعمل بالقانون ويحرص على سمعته ، هو أول من يتضرر عندما يصبح الإستغلال سلوكًا يُنسب إلى المهنة بأكملها .
—
لا تخف من السؤال .
لا تركب وأنت لا تعرف كيف ستُحتسب الأجرة .
لا تجعل التعب والاستعجال يدفعانك إلى قبول أي طلب .
أسأل … أفهم … تأكد… ثم أركب .
وفي المقابل ، إلى كل من يعمل خلف مقود سيارة أجرة :
تذكر أن أمامك إنسانًا قبل أن يكون راكبًا .
لا تستغل جهله بالمكان … لا تستغل حاجته … لا تستغل لغته … ولا تستغل تعبه .
فالمسافر الذي تكرمه اليوم قد يذكر تونس غدًا بكل خير .
أما المسافر الذي يشعر أنه تعرض للاستغلال ، فقد يحمل تلك التجربة معه إلى بلده ، ويحكيها لعشرات الأشخاص .
وهكذا يمكن لرحلة سيارة أجرة لا تتجاوز نصف ساعة أن تصنع سمعة طيبة … أو أنطباعًا سيئًا.
—
يا من تقود سيارة أجرة أمام مطار تونس قرطاج …
تذكّر أنك لا تحمل راكبًا فقط .
أنت تحمل معه صورة تونس .
فأجعل عدادك شاهدًا على أمانتك ، وأجعل أخلاقك عنوانًا لبلدك ، وأجعل مهنتك باب رزق حلال لا بابًا لاستغلال المحتاج .
ويا أيها المسافر …
كن يقظًا ، وأعرف حقك ، وأسأل قبل أن تركب .
فالمطار يجب أن يكون مكانًا للوداع والاستقبال والفرح والعودة إلى الوطن …
لا مكانًا يبدأ فيه المسافر رحلته مع القلق والشك .
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في النهاية :
نحن لا نريد مطارًا جميلًا فقط …
نريد أستقبالًا يليق بتونس .
ولا نريد سيارة أجرة تصل بك إلى وجهتك فحسب …
نريد سائقًا يوصلك إليها بضمير .
هنا نابل
بقلم: المعز غَنِـي.
كاتب وإعلامي من مدينة نابل.
عاشق
الترحال وروح الاكتشاف../.

