ابن كثير ومنهجه في التفسير بين الفقه والحديث واللغة
بقلم / محمــد الدكــروري
يُعد الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي أحد أبرز علماء الإسلام الذين جمعوا بين علوم التفسير والحديث والفقه والتاريخ. وقد ترك للأمة الإسلامية تراثًا علميًا ثريًا يتقدمه كتابه الشهير “تفسير القرآن العظيم” الذي أصبح من أهم المراجع التفسيرية المعتمدة عبر العصور.
امتاز ابن كثير بمنهج علمي راسخ في تفسير القرآن الكريم حيث جمع بين التفسير بالمأثور والتحليل العلمي الدقيق. فكان يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة النبوية ثم بأقوال الصحابة والتابعين مع الحرص على توثيق الروايات وبيان صحيحها من ضعيفها مستفيدًا من خبرته الواسعة في علوم الحديث ورجاله.
وعند تعرضه لآيات الأحكام كان يولي الجانب الفقهي اهتمامًا كبيرًا فيعرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ويناقش المذاهب المختلفة بروح علمية موضوعية ثم يرجح ما يراه أقرب إلى دلالة النصوص الشرعية وأقوى من حيث الدليل.
كما أولى اللغة العربية مكانة مهمة في منهجه التفسيري إيمانًا منه بأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأن فهم ألفاظه وتراكيبه وأساليبه البلاغية يمثل مفتاحًا أساسيًا للوصول إلى المعاني الصحيحة. لذلك استشهد بالشواهد اللغوية والأدبية وأقوال أهل اللغة لتوضيح المقاصد القرآنية وبيان المراد من الآيات.
ومن السمات البارزة في تفسيره حرصه على الأمانة العلمية والدقة في النقل حيث كان يذكر أسماء العلماء والمفسرين الذين ينقل عنهم الآراء والأقوال مع توثيق المصادر وإبراز أصحابها. وقد اعتمد في ذلك على مؤلفات كبار المفسرين الذين سبقوه وفي مقدمتهم الإمام محمد بن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن عطية إضافة إلى استفادته الكبيرة من اجتهادات شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولم يكن ابن كثير مجرد ناقل للأقوال والروايات بل كانت له شخصية علمية مستقلة ظهرت بوضوح في نقد الروايات وتمييز الصحيح من الضعيف والحكم على الأحاديث والرواة وفق قواعد المحدثين. كما كان يوازن بين الأقوال الفقهية والتفسيرية ويختار منها ما يراه أكثر اتساقًا مع النصوص الشرعية ومقاصدها.
وقد تتلمذ الإمام ابن كثير على عدد من كبار علماء عصره الذين كان لهم أثر واضح في تكوينه العلمي ومن أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ شمس الدين الذهبي والحافظ المزي والإمام ابن الزملكاني والإمام البرزالي وغيرهم من أعلام العلم والحديث والفقه.
وبفضل هذا التكوين العلمي المتنوع استطاع ابن كثير أن يقدم تفسيرًا متوازنًا جمع بين الرواية والدراية وبين الفقه والحديث وبين اللغة والعقيدة ليبقى واحدًا من أعظم كتب التفسير التي حفظت مكانتها العلمية على مر القرون.
بقلم / محمــد الدكــروري
مراجعة وتحرير وصياغة:
محمد سعيد الحداد

ابن كثير ومنهجه في التفسير بين الفقه والحديث واللغة

