الأعذار العارضة الموجبة للتيسير
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لنا الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان من أنواع التيسير في رسالته صلى الله عليه وسلم، هو التيسير لأجل عارض وهو كثير في فروع الشريعة، ومن الأعذار العارضة الموجبة للتيسير هو السفر والمرض والإكراه والنسيان والجهل والحيض والنفاس والعسر وعموم البلوى وقرب العهد بالإسلام، وأيضا التيسير لأجل التدارك والمقصود به هو تشريع التوبة ومن أبرز صورها هو الاستغفار والكفارات والحدود والغرامات وغيرها، وجميعها يؤول إلى معنى جامع هو اغتفار الذنوب، ومحو الآثام، ليستأنف المكلف حياته بنقاء جديد، لا يعكره شيء من عثرات الماضي، أو ينغصه تخوف من عواقب المآل وحساب المستقبل، وإذا استوفيت شروط التوبة برُمتها كان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فتغسل التوبة الحوبة، وتذهب الحسنات السيئات، ولو بلغت عنان السماء، ومن التيسير لأجل التدارك هو الكفارات، وهي جابرة للنواقص، وساترة للذنوب، ومخرج من مضايق الإثم.
وإعلموا أن المظهر اللائق يكسبك إحترام النفس وإحترام الآخرين لك ويجعلك تشعر بالثقة والإطمئنان فالشخص الذي تشيع الفوضى في هندامه يشعر الآخرين بان الفوضى تشيع في تفكيره كذلك هنالك صفة مهمة وضرورية لتكون شخصيتك قوية وهي أن تتعلم كيف تكسب ثقة الآخرين، وهذا يمكن تحقيقه بسهولة بمجرد أن تكون صادقا، والنبي صلى الله عليه وسلم، يعرض من خلال القصة التي وقعت فى بنى إسرائيل جانبا من جوانب الفساد الإجتماعي والإفتتان بزخارف الدنيا، والذي أودى بالمجتمع الإسرائيلي مهاوي الردى، وكان سببا في تسلط أعدائهم عليهم، وقد ظهرت بوادر الفساد الاجتماعي في تلك الأمة بقوة من خلال المبالغة في الاهتمام بالمظاهر، فكان الإنفاق على الملابس والحلي وأنواع الزينة ومراسم الحفلات على أشده، ولم يكن التسابق المحموم على تلك الأمور محصورا بالطبقة الغنية القادرة، بل اكتوى بنارها الفقراء والمعدمين، سعيا لمجاراة الواقع الموجود.
ومع مطالب النساء وما جره من النفقات الباهظة، كانت النتيجة الحتمية الغرق في دوامة لا تنتهي من الديون والقروض الربوية، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” إن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب أو الصيغ ما تكلف امرأة الغنى، فذكر امرأة من بني اسرائيل كانت قصيرة، واتخذت رجلين من خشب، وخاتما له غلق وطبق، وحشته مسكا، وخرجت بين امرأتين طويلتين أو جسيمتين، فبعثوا إنسانا يتبعهم، فعرف الطويلتين، ولم يعرف صاحبة الرجلين من خشب” رواه ابن خزيمة، وروي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال قاولت، أي خاصمت رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له يا ابن السوداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “طف الصاع، طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل” قال أبوذر فاضطجعت وقلت للرجل المذكور، قم فطأ على خدي” قال العراقي رواه ابن المبارك.
ومنذ ذلك الوقت لم يعرف أبو ذر من غلامه إنها عقيدة التوحيد التي سوت بين أبي ذر وخادمه، وبين بلال وأبي بكر، في مجتمع القدوة، وإعلموا أن إستبطان عقيدة التوحيد في القلب وتكرارها باللسان وطلب استحضارها في أشد لحظات التجلي في العبادة، إنما تقرر للتحصن في مواجهة محاولات الخروج عليها والنيل منها، لأن نشوء الألوهيات البشرية مستمر، ولن تتوقف المدافعة في هذا المجال لأن هذه المدافعة تمثل جدلية الحياة، حيث يتقرر في ضوئها حق الإنسان، وقد يكون أشد أنواع التسلط وأخطرها وهضم الحقوق وانتهاك الحرمات عندما يعطي الإنسان نفسه حق التصرف بمن هو إنسان مثله، يشرع له القيم بحيث تتحول هذه القيم في النهاية جسرا يمر عليه التسلط، وأن عقيدة التوحيد لا إله إلا الله حررت الإنسان من العبوديات، ونسخت الألوهيات البشرية والحجرية والطبيعية والكونية، بشكل عام، وسوت بين الناس جميعا، كما أنها حررت القيم الضابطة لمسيرة الحياة من مواضعات البشر.
التي كانت وما تزال تشكل جسر العبودية والتسلط، وقد تكون الإصابة أيضا عند بعض من يؤمنون بعقيدة التوحيد أنهم قد لا يدركون أبعاد هذه العقيدة ودورها في الحياة بشـكل حقيقي، وبذلك فلا يحول الإيمان بها عندهم دون السقوط تحت وطأة ممارسة الألوهيات البشرية، ولو لم تسم بأسمائها، حيث يمارس الشرك بألوان متعددة في حياة الناس، وخاصة في مجال إنتهاك حقوق الإنسان، وفي كثير من الأحيان قد تلتبس عندهم المفاهيم وتتسرب إلى مجتمع عقيدة التوحيد بعض علل الأمم السابقة، التي حذرنا الله من الوقوع فيها، حيث تتشكل الكهانات الدينية التي تمكن للطاغوت، أو للإستبداد السياسي أو الظلم الاجتماعي في سبيل تحقيق مصالح آنية، ولقد وقع مثل هذا التسرب لعلل التدين من الأمم السابقة إلى الأمة حديثة العهد بالإسلام في عهد النبوة، فكان التصويب، وكان التأكيد على عطاء عقيدة التوحيد في حياة الناس، فقصة أبي ذر مع غلامه رضي الله عنهما، ما تزال شاهد إدانة على كل الإنتهاكات لحقوق الإنسان.
وهي معروفة في مظانها، عندما عنفه وعيره بأمه السوداء، فعن المعرور بن سويد رضي الله عنه قال لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم “يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم” رواه البخاري، وهذا التسامي البشري في مجال عقيدة التوحيد، ومساواة الخلق في الحقوق والواجبات أمام الخالق، حيث المساواة هي أولى ثمرات الإيمان، وهي أساس حقوق الإنسان جميعا، هذا التسامي الواقعي، والذي شكل أنموذجا مثاليا في تاريخ الحضارة الإنسانية، يحول على الدوام دون الألوهيات والعنصريات، وجميع أشكال التمييز، وتشتد الحاجة والتطلع إليه، وبذل الجهد لإسترداده، كلما استحكم الاستبداد السياسي، والظلم الإجتماعي، وغيبت إنسانية الإنسان.

