الرئيسيةUncategorizedالوصول إلى عقيدة التوحيد السليمة
Uncategorized

الوصول إلى عقيدة التوحيد السليمة

الوصول إلى عقيدة التوحيد السليمة

بقلم / محمـــد الدكـــروري

إن الإقتصار على تحرير الوسائل للوصول إلى عقيدة التوحيد السليمة، دون إعمال هذه الوسائل في تحقيق الأهداف، وإيقاف الشرك المتجذر في دروب الحياة ومجالاتها المختلفة على حساب المساواة وحفظ إنسانية الإنسان، سوف يعود على العقيدة نفسها بالمحاصرة وعدم الفاعلية ومن ثم عدم القناعة بجدواها، وعلى الأخص عندما يكون روادها ودعاتها يعيشون فصاما خطيرا بين واقع يعيشونه، ولا يدينونه ويعملون على تصويبه، بكل مناقضاته لعقيدة التوحيد، وبين فقه، أو فكر، يقتصر على المجاهدة في تحريرها وبيان مواصفاتها فإذا قلناها باللسان، فلا علينا بعد ذلك أن ننغمس في حياة تناقضها، وما لم نمارس عقيدة التوحيد عمليا ونجسدها في واقع الحياة ونحكمها بالعلاقات الإنسانية، ومجالات الحياة، فنطهر بها الحياة من الشرك، والإنسان من العبودية، بحيث تصبح كلها سـلوكا توحيديا متينا، يصعب اختراقه، أو الإخلال به، من قبل الذين يحاولون أن يجعلوا من أنفسهم إلهة.

 

ويعتدون بذلك على عقيدة التوحيد، وسلطان الإله، فسوف تكون دعوانا أو دعواتنا بلا دليل، أو نكون كالذي يوبخ نفسه لأن قولنا يخالف عملنا، وقد لا تكون آخر التقليعات صورة الإمبريالي الذي يتوهم بإنتهاء التاريخ البشري إلى حضارته وثقافته، فيحاول أن يتحكم اليوم بكل شيء، وقد يأخذ هذا التسلط شكل الانتداب والوصاية لإدارة الشعوب غير المؤهلة لإدارة نفسها، وبناء الحضارة بزعم المتألهين أو يأخذ شكل الاستعمار، أو حتى أشكالا معاصرة بإسم إشاعة السلم والأمن ونشر الديمقراطية ومكافحة العنف والتطرف ومطاردة الإرهاب، فإذا جاءت نتائج تطبيق الديمقراطية ولو إحتمالا على غير هوى المتسلطين كان الخوف من الديمقراطية على الديمقراطية، وهكذا كلما اكتشف زيف إله ابتدع المتسلطون شعارات وآلهة أخرى، حتى وصلت اليوم إلى مرحلة الدولة الإله والتي قد تمتلك العجل الذهبي والعلم الباغي، الإعلام، الذي يسحر أعين الناس ويخطف أبصارهم ويسترهبهم.

 

فتعطي نفسها الحق في التدخل في كل مكان، متجاوزة كل سيادة وعرف وقانون ومؤسسة، لذلك نعتقد بأن معظم الشر في العالم ناشئ من تسلط الإنسان على الإنسان، بشتى الصور والأشكال، وأن حقوق الإنسان اليوم تحولت إلى مهزلة أشبه بدمى الأطفال يتلاعب بها الأقوياء المتألهون كيفما أرادوا، لعدم وجود من يردعهم، وما لم يتوقف هذا التسلط والهيمنة، ويعود الناس إلى المساواة، وكأنهم في هذه الحياة يعيشون على طاولة مستديرة، لا ميزة لأحد على أحد، فسوف يستمر الظلم والاضطهاد، وهذا التحرير لن يتأتى إلا بتأصيل وتأسيس عقيدة التوحيد وإستمرار التذكير بها وتذكرها حتى لا يضل الإنسان ولا يطغى فيشقى، وإن الإيمان بوحدة الأصل الإنساني، هو السبيل الوحيد لإلغاء الفوارق القسرية، كاللون والقوم والجنس، وإيقاف التميز العنصري، ومنح الناس المساواة المتأتاة من أصل الخلق، والتي هي أساس الحقوق جميعا، ووسيلة تحقيق الكرامة الإنسانية، كما منحهم الفرص المتكافئة.

 

بحيث يصبح ميزان الكرامة التقوى والعمل الصالح، وهو معيار كسبي منوط بعمل الإنسان، وخبرته، وسعيه، ومدى عطائه، وما يقدمه لنفسه وللإنسانية من خير، وما يساهم به من إرتقاء، لا بسبب نسبه أو قومه أو لونه أو جنسه لأنها جميعا أمور قسرية، لا إختيار للإنسان فيها، ولا يد له بحصولها، لذلك فمن الظلم والعدوان أن تعتمد هذه الأمور القسرية ميزان الكرامة الإنسانية، وسبيل التفاضل بين البشر، فالإنسان في الإسلام مكرم بأصل خلقه، بضرب النظر عن معتقده ولونه وجنسه، قال تعالى في سورة الإسراء ” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” ونستطيع أن نؤكد، بأن معظم المحاولات في هذا المجال، انتهت مع الأسف إلى لون من الانغلاق، والطائفية، والحزبية، والافتتان بالذات، الأمر الذي أدى إلى الانسحاب من المجتمع، وإطلاق الأحكام الظالمة عليه، والعجز عن التدرب ضمن هذه المحاولات والتجمعات، على القيم الإسلامية.

 

وحسن تمثلها وإغراء الناس بها، وإن معظم تلك المحاولات العتيدة، لم تنج بالجملة من كثير من الإصابات التي لحقت بالمجتمعات التي تعيش فيها، حتى تشكل أملا مطمئنا للخروج، كما أنها وبسبب غياب الإدراك لأهمية التخصص في الشعب المعرفية المتنوعة لم تحسن قراءة الظواهر والتحولات الاجتماعية والثقافية بدقة، وتتمكن من تقدير الأمور، لتدرك أبعاد دورها، وكيفية التعاطي مع المجتمعات من خلال فهمها، بل قد تكون تجاوزت أحيانا المساحة الشرعية في ممارساتها وعلاقاتها، تحت شتى الأعذار والذرائع، وقضت ردحا من تاريخها، تقتصر على إطلاق الشعارات، وتجترئ على اتهام الآخر دون تبين أو بصيرة، ولعلها في أحسن الأحوال كانت تقتصر على ممارسة الفكر الدفاعي الشعاري من على المنابر، دون أن تكلف نفسها توفير الخبرات والتخصصات، والمعارف المطلوبة لوضع الخطط والبرامج الكفيلة ببناء الأمة وقيادة المجتمع.

 

لذلك إستمرت هذه السنوات كالذي يمارس طحن الماء في الوقت الذي نرى أن الحضارة الإنسانية عامة، بأشد الحاجة إلى القيم الإسلامية وعلاقاتها المتوازنة لاسترداد إنسانية إنسانها التعيس، وتشتد حاجة الإنسانية أكثر فأكثر إلى القيم الإسلامية، وإلى النماذج الإسلامية المثيرة للاقتداء في حقبة العولمة المعاصرة، حيث انفتح العالم وانفسح لإستقبال كل شيء، ومراجعة كل شيء، وعرض كل بضاعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *