بقلم: الشريف محمد عطا القطيعي
ليست عظمة القرآن الكريم في جمال ألفاظه وحدها، ولا في سحر بيانه وبلاغة تراكيبه فحسب، وإنما تمتد عظمته إلى آفاق الكون، وأسرار الخلق، ودقائق النفس البشرية؛ فهو كتاب هداية ونور، ودستور حياة، ودعوة مفتوحة للعقل كي يتأمل، وللعلم كي يبحث، وللقلب كي يخشع أمام عظمة الخالق.
فمن يتدبر آيات القرآن يدرك أنه أمام خطاب إلهي تتجدد معانيه بتجدد العصور، وتظل آياته تفتح للإنسان أبواباً من التأمل في هذا الكون الفسيح. وكلما تقدم العلم وكشفت المختبرات أسراراً جديدة، ازداد الإنسان إدراكاً لعظمة الخلق ودقة النظام الذي أبدعه الله سبحانه وتعالى.
القرآن الكريم والكون.. لغة تتجاوز حدود الزمان
أولاً: بداية الكون وسر الخلق
يقول الله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30].
آية عظيمة تفتح أمام العقل أبواب التأمل في نشأة الكون، وقد رأى بعض الباحثين فيها توافقاً مع التصورات العلمية الحديثة عن بدايات الكون. إنها دعوة للتفكر في هذا الوجود الذي لم ينشأ عبثاً، وإنما خلقه الله بحكمة وتقدير.
ثانياً: الماء.. سر الحياة على الأرض
قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
كلمات قليلة تختصر حقيقة عظيمة؛ فالماء أساس الحياة المعروفة على كوكب الأرض، ويدخل في تكوين الخلايا والعمليات الحيوية لجميع الكائنات الحية. إنها آية تجعلنا نتأمل كيف اختصر القرآن في عبارة بليغة حقيقة يدرسها العلماء في أعظم مراكز البحث.
ثالثاً: البحار وأسرار الظلمات
قال سبحانه وتعالى:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: 40].
وصف قرآني بديع لعالم الأعماق؛ حيث تتناقص أشعة الضوء كلما ازداد العمق، وتوجد الأمواج الداخلية في طبقات المياه المختلفة، وهي حقائق كشفت وسائل البحث والاستكشاف الحديثة كثيراً من تفاصيلها.
رابعاً: الجبال.. أوتاد الأرض
قال تعالى:
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7].
اختار القرآن لفظاً بالغ الدلالة؛ فالوتد له جزء ظاهر وآخر مغروس في الأرض، وقد كشفت الدراسات الجيولوجية عن امتدادات عميقة لكثير من الجبال تحت سطح الأرض، وعن دورها في بنية القشرة الأرضية.
خامساً: بصمات الأصابع.. الهوية التي لا تتكرر
قال تعالى:
﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4].
إنها إشارة تدعو إلى التأمل في دقة خلق الإنسان، فالأنامل تحمل بصمات تتميز بها هوية كل إنسان، وأصبحت هذه البصمات من أهم وسائل التعرف على الأشخاص في العلوم الجنائية الحديثة.
سادساً: الشمس والقمر.. نظام كوني محكم
قال تعالى:
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33].
تأملوا هذا التعبير القرآني الموجز؛ فالأجرام السماوية تتحرك في مسارات كونية وفق قوانين دقيقة، والشمس نفسها تتحرك في مجرتها، في مشهد يكشف عن عظمة النظام الكوني وإحكام الخلق.
العلم والإيمان.. لا تعارض بين العقل والتدبر
إن الحديث عن الإعجاز العلمي لا يعني أن نحمل الآيات ما لا تحتمل، أو أن نربط كلام الله بكل نظرية علمية قابلة للتغيير؛ وإنما ينبغي أن يكون التدبر قائماً على اللغة الصحيحة، والتفسير المعتبر، والمعرفة العلمية الموثوقة.
فالقرآن الكريم ليس كتاباً في الفيزياء أو الكيمياء أو الطب، وإنما هو كتاب هداية وإيمان، وفي آياته دعوة صريحة إلى النظر والبحث والتفكر.
قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].
وهنا تبرز رسالة عظيمة: أن الإيمان لا يعادي العلم، وأن العقل لا يفقد قيمته أمام النص، بل إن التفكر في خلق الله عبادة، والبحث عن الحقيقة مسؤولية، واحترام العلم أمانة.
كلمة موطني.. حين يتحدث الكون عن عظمة الخالق
إن أعظم ما ينبغي أن نخرج به من هذه الآيات أن الإنسان، مهما بلغ من العلم والمعرفة، يظل واقفاً أمام كون لا تنتهي أسراره، وخلق لا تنقضي عجائبه.
فما قيمة علم لا يقود صاحبه إلى التواضع؟ وما قيمة معرفة لا تجعل الإنسان أكثر رحمة وعدلاً وإحساناً؟
إننا في جريدة موطني نؤمن بأن الكلمة رسالة، وأن المعرفة مسؤولية، وأن بناء الإنسان يبدأ ببناء عقله ووجدانه؛ ولذلك فإن نشر الثقافة العلمية والدينية الرشيدة واجب في مواجهة الجهل والخرافة، وفي سبيل تأسيس وعي يجمع بين نور الإيمان ومنهج العلم.
الخاتمة
يا ابن آدم، انظر إلى السماء، وتأمل الأرض، وتدبر نفسك؛ ففي كل زاوية من زوايا هذا الوجود آية، وفي كل مخلوق شاهد، وفي كل اكتشاف جديد نافذة تطل منها على بعض أسرار الخلق.
قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
فسبحان من أنزل القرآن هداية للناس، وجعل في الكون آيات لأولي الألباب؛ كتاب تتجدد عجائبه، ولا تنفد معانيه، ولا تنتهي دعوته إلى التفكر والتدبر.
صدق الله العظيم.
جريدة موطني المحلية والدولية
الرأي الحر.. والكلمة المسؤولة.. ومنبر الوعي والمعرفة.
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.. آيات سبقت العصور، وحقائق تكشف عظمة الخالق، وكتاب لا تنقضي عجائبه
📧 اشترك في النشرة البريدية
أهم الأخبار توصلك على بريدك.
💬 التعليقات (0)