هناك فرق كبير بين أن تطالب دولة بحقوق حقيقية وفقًا للقانون والاتفاقيات الدولية، وبين أن تحاول صناعة «حقوق» من مشروعات لم تُنفذ أصلًا، ثم تقديم فاتورتها إلى دولة أخرى باعتبارها المسؤولة عن عدم تنفيذها!
وهنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات إثارة للجدل في ملف سد النهضة الإثيوبي، عندما تتحول الأزمة من قضية تتعلق بإدارة مورد مائي عابر للحدود، إلى محاولة تحميل مصر مسؤولية مشروعات افتراضية لم ترَ النور، وكأن القاهرة أصبحت مطالبة بدفع تعويضات عن أموال لم تُنفق، ومشروعات لم تُنشأ، واستثمارات لم تتحول إلى واقع.
إثيوبيا تريد تحويل «الاحتمال» إلى «حق»
الفلسفة السياسية التي تحكم بعض الخطابات الإثيوبية في ملف سد النهضة تقوم، في جوهرها، على محاولة إعادة صياغة الأزمة من سؤال واضح: ما حقوق والتزامات كل دولة تجاه نهر النيل؟
إلى سؤال آخر مختلف تمامًا: كم خسرت إثيوبيا بسبب عدم حصولها على ما كانت تتوقعه من مشروعات واستثمارات؟
وهنا تكمن المشكلة.
فالمشروع الذي لم يتم تأسيسه لا يمكن ببساطة اعتباره خسارة مالية مكتملة الأركان، والاستثمار الذي لم يتم لا يمكن التعامل معه وكأنه أصل مالي قائم تم تدميره، والأرباح المتوقعة لا تتحول تلقائيًا إلى ديون مستحقة على دولة أخرى.
وإلا أصبح من الممكن لأي دولة أن تضع قائمة طويلة من المشروعات المستقبلية، ثم تقول: «كنت سأبني كذا، وأنت منعتني، إذن ادفع لي».
وهذه ليست دولة قانون، وإنما فلسفة سياسية خطيرة تقوم على تحويل الافتراضات إلى مطالبات.
مصر ليست مسؤولة عن أحلام اقتصادية لم تتحقق
مصر لم تمنع إثيوبيا من التنمية، ولم تعترض على حق الشعب الإثيوبي في الحصول على الكهرباء أو إقامة مشروعات تنموية داخل أراضيه.
القضية المصرية منذ البداية كانت مرتبطة بمبدأ مختلف: حق إثيوبيا في التنمية لا يعني إهدار حقوق دول المصب.
فالنيل ليس ملكًا لدولة واحدة، ولا يمكن التعامل مع المياه باعتبارها موردًا يمكن لدولة المنبع أن تتصرف فيه منفردة دون مراعاة الآثار الواقعة على الدول الأخرى.
ومن هنا، فإن محاولة تحميل مصر مسؤولية عدم تنفيذ مشروعات استثمارية أو تنموية افتراضية بسبب الخلاف حول سد النهضة تبدو أقرب إلى المناورة السياسية منها إلى مطالبة اقتصادية تستند إلى خسارة مؤكدة.
السؤال الأهم: أين هي المشروعات؟
إذا كانت هناك مطالبة بتعويضات، فإن المنطق البسيط يفرض مجموعة من الأسئلة:
ما المشروعات التي لم تُنفذ؟
ما قيمة الأموال التي تم إنفاقها بالفعل؟
من قام بتمويلها؟
ما العقود التي أُبرمت ثم أُلغيت؟
ما الالتزام القانوني الذي كانت مصر طرفًا فيه؟
وكيف يمكن إثبات أن مصر تحديدًا هي التي تسببت في عدم تنفيذ هذه المشروعات؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلات هامشية، بل هي جوهر أي مطالبة بالتعويض.
فالخسارة القانونية ليست مجرد «فرصة ضائعة» يتم تقديرها سياسيًا، وإنما تحتاج إلى أساس قانوني وأدلة وعلاقة سببية واضحة بين الفعل المنسوب إلى الطرف الآخر والضرر المدعى به.
سد النهضة لا يمنح إثيوبيا شيكًا على بياض
لقد تحول سد النهضة على مدار السنوات الماضية من مشروع لتوليد الكهرباء إلى واحدة من أعقد القضايا السياسية والاستراتيجية في القارة الأفريقية.
ومصر لم تكن ترفض التنمية الإثيوبية من حيث المبدأ، وإنما كانت تطالب باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، وآليات التعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد، وآلية واضحة لفض النزاعات.
وهذا هو جوهر الخلاف.
أما محاولة نقل القضية إلى مساحة جديدة، يتم فيها الحديث عن تعويضات عن مشروعات لم تُنفذ أصلًا، فإنها تفتح بابًا خطيرًا في العلاقات الدولية، لأنها تجعل كل دولة قادرة على اختراع «خسائر مستقبلية» وتحويلها إلى مطالب مالية.
السياسة عندما تبحث عن شماعة
المشكلة الحقيقية أن بعض الخطابات السياسية الإثيوبية تبدو وكأنها تبحث باستمرار عن «شماعة خارجية» لتفسير الأزمات الداخلية أو تأخر بعض مشروعات التنمية.
وهذه ليست مشكلة مصرية، وإنما مشكلة في طريقة إدارة الخطاب السياسي.
فالدول الكبرى لا تُبنى على تحميل الآخرين مسؤولية كل أزمة، وإنما على الاعتراف بالواقع، ودراسة الأخطاء، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء اقتصاد قادر على تحويل الموارد إلى مشروعات حقيقية.
ولا يمكن أن تصبح مصر مسؤولة عن كل مشروع لم ترَ إثيوبيا أنه لم يعد مناسبًا أو لم تستطع تنفيذه أو تأخر تمويله أو تغيرت أولوياته.
من يدفع فاتورة «المشروعات الوهمية»؟
لو قبل المجتمع الدولي منطق أن الدولة يمكنها المطالبة بتعويضات عن مشروعات لم تُنفذ، فإننا أمام سابقة شديدة الخطورة.
فماذا لو قالت دولة ما إنها كانت تخطط لبناء عشرات المصانع ولم تبنها؟
وماذا لو قالت إنها كانت تتوقع مليارات الدولارات من الاستثمارات؟
وماذا لو طالبت دولة أخرى بتعويضها عن ملايين الوظائف التي كان من الممكن أن تنشأ؟
هل ندفع مقابل كل ما كان «يمكن أن يحدث»؟
بالطبع لا.
لأن العلاقات الدولية لا يمكن أن تُدار بمنطق الاحتمالات غير المحدودة، وإنما بمنطق الالتزامات القانونية والحقوق الثابتة والأضرار المثبتة.
مصر تحتاج إلى خطاب أكثر حسمًا
وفي مواجهة مثل هذه الطروحات، لا يكفي أن تكتفي القاهرة بالردود الدبلوماسية الهادئة، بل تحتاج إلى خطاب قانوني وإعلامي واضح يضع الأمور في نصابها.
مصر دولة تدافع عن حقوقها المائية، وفي الوقت نفسه لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية.
لكن الفرق كبير بين دعم التنمية وبين تحمل تكلفة مشروعات لم تُنفذ.
وبين احترام سيادة الدول وبين قبول فرض أمر واقع على دولة أخرى.
وبين الحوار السياسي وبين محاولة تحويل الخلاف إلى فاتورة مالية مفتوحة.
النيل ليس ورقة للمساومة
قضية النيل بالنسبة إلى مصر ليست قضية استثمار أو مشروع اقتصادي عابر.
إنها قضية وجود وأمن قومي وحياة أكثر من مائة مليون إنسان.
ولهذا فإن أي محاولة لإعادة تعريف الأزمة بطريقة تجعل مصر مسؤولة عن خسائر افتراضية أو مشروعات لم تدخل حيز التنفيذ يجب التعامل معها بمنتهى الجدية، ليس بالصوت العالي، وإنما بالوثائق والقانون والحقائق.
وفي النهاية، إذا كانت إثيوبيا تريد تعويضات، فعليها أولًا أن تثبت وجود ضرر حقيقي ومحدد ومباشر، وأن تثبت الأساس القانوني لمسؤولية مصر عنه.
أما أن تتحول المشروعات التي لم تُبنَ، والاستثمارات التي لم تصل، والأرباح التي لم تتحقق إلى فواتير تُرسل إلى القاهرة، فهذه ليست سياسة اقتصادية رشيدة، وإنما محاولة لتحويل الخلاف السياسي إلى اقتصاد من الوهم.
لقد حان الوقت لأن تتوقف لغة تحميل مصر مسؤولية كل ما لم يتحقق في إثيوبيا، وأن يبدأ الجميع في التعامل مع ملف النيل باعتباره قضية قانون دولي، ومصالح متبادلة، وأمن مائي مشترك، وليس مسرحًا للمزايدات السياسية.
فمصر ليست مطالبة بدفع ثمن مشروعات لم تُنفذ، ولا تعويض أحلام لم تتحول إلى واقع.
والأهم من كل ذلك أن نهر النيل سيظل نهرًا مشتركًا بين شعوبه، ولن يستطيع أي خطاب سياسي أن يغير حقيقة أن حقوق دوله والتزاماتها لا تُحدد بالشعارات، وإنما بالقانون والاتفاق والتفاوض العادل.

