وبينما كنت غارقًا في أفكاري، سمعت السائق يقول بصوت مرتفع:
“يا جماعة، لو سمحتم، اجمعوا الأجرة من بعضكم البعض.”
دفعت الأجرة، ثم توقفت السيارة في موقف بلدتي. نزلت منها، واتجهت بخطوات متعبة نحو منزلي. طرقت الباب، ففتحت لي أمي، فرأيت على وجهها ابتسامة الأم التي غمرتها السعادة بعودة ابنها سالمًا. لم تكن ابتسامتها مجرد ملامح على وجهها، بل كانت دعاءً صامتًا، وطمأنينةً طال انتظارها.
جلست قليلًا، فأحضرت لي الطعام بيديها، وكانت تنظر إليّ وكأنها تريد أن تطمئن إلى أنني ما زلت بخير. كنت مرهقًا من عناء السفر، فلم أكد أنتهي من الطعام حتى استسلمت للنوم، وغرقت في سباتٍ عميق حتى الصباح.
استيقظت على بكاء ابني وهو بجوار فراشي، فحملته بين ذراعي، وشعرت أن كل تعب الدنيا يهون أمام تلك اللحظة. وبعد قليل جلست مع أمي، ورويت لها ما حدث معي في الخدمة العسكرية، وما أصاب الجندي روماني جابر عطا الله. بدت علامات الخوف على وجهها، ثم قالت بقلق:
ـ أخشى عليك من الرائد لمعي.
فابتسمت لأطمئنها، وقلت:
ـ لا تقلقي يا أمي، فأنا أعرف كيف أتصرف معه.
كانت إجازتي سبعة أيام، انقضت سريعًا، وعدت بعدها إلى قسم الإطفاء. وما إن دخلت القسم حتى وجدت الرائد لمعي ينظر إليّ بنظرات يملؤها الغضب، فشعرت أنه يضمر لي أمرًا، فكنت أتعامل معه بحذر شديد.
ومرت الأيام، ثم الشهور، حتى أصبحت قد أمضيت سنتين وستة أشهر من الخدمة العسكرية، ولم يتبقَّ لي سوى ستة أشهر.
وكان موعد عيد السيدة العذراء مريم قد اقترب، وهو موسم يزدحم فيه الدير بالزائرين كل عام. وكنت في كل عيد أُكلَّف بالجلوس على السيارة رقم خمسة وأربعين، وهي سيارة مجهزة بجهاز لاسلكي للتواصل مع إدارة الدفاع المدني.
وفي صباح أحد الأيام، انطلقت صفارة الإنذار في قسم الإطفاء، وكانت قوية حتى اهتزت لها أرجاء المكان. صاح أحد الضباط:
ـ اجتمع جميع الجنود… كل فرد يستعد لتنفيذ مهمته في خدمة زوار العذراء.
تجمعنا جميعًا في ساحة القسم، ثم خرج الرائد لمعي، وبدأ يوزع المهام على الجنود واحدًا تلو الآخر. حتى وصل إليّ، فنادى:
ـ المجند…! فأجبته: نعم يا فندم. قال: مهمتك هذا العام أن تقف على جهاز البودرة المتنقل. وكان يقصد أسطوانة الإطفاء التي مات بسببها الجندي روماني جابر عطا الله. وقفت صامتًا، ولم أنطق بكلمة.
فقال بغضب: ألم تسمع ما قلت؟ قلت بهدوء: سمعت يا فندم… لكنني لن أقف على هذا الجهاز الذي تسبب في وفاة زميلي روماني.
اشتد غضبه وقال: أنت ترفض تنفيذ الأوامر العسكرية؟! هل تعرف عقوبة مخالفة الأوامر؟ قلت: لا يا فندم. صرخ في وجهي: محكمة عسكرية!
نظرت إليه بثبات وقلت: الآن عرفت لماذا اخترتني لهذه المهمة. ازداد غضبه وقال: ستنفذ الأمر. فقلت: لن أقف على هذا الجهاز. قال:
ـ إذن أنت تعاندني؟ قلت: نعم… وافعل ما تراه مناسبًا. اقترب مني حتى كاد يلامس وجهي، ورفع يده ليصفعني، لكن في تلك اللحظة رأينا جميعًا رئيس إدارة الدفاع المدني يقترب من مكاننا. فصاح أحد الجنود: انتباه…! توقف الجميع في أماكنهم، لا أحد يتحرك يمنةً ولا يسرة. اقترب القائد، ثم نظر إليّ، فرأى الدموع تملأ عيني. فسألني: ما بك؟ قلت: يا فندم… الرائد لمعي يريد أن يكلفني بالعمل على جهاز البودرة الذي تسبب في وفاة الجندي روماني جابر عطا الله. غضب القائد غضبًا شديدًا، ثم التفت إلى الرائد لمعي وقال بحزم: ادخل إلى مكتبك… ولا تخرج منه مرة أخرى.
ثم أشار إليّ وقال: هذا المجند سيجلس على السيارة رقم خمسة وأربعين، مسؤولًا عن جهاز اللاسلكي. ركب كل منا سيارته، وانطلقنا إلى دير السيدة العذراء مريم، حيث بدأت أيام الخدمة تمر وسط آلاف الزائرين. وفي مساء أحد أيام العيد، عند الساعة السادسة تقريبًا، حضر مدير الدفاع المدني، العقيد ناجي حليم، وجلس بجوار السيارة. ثم ناداني وقال: اتصل بالإدارة، واسألهم: هل يوجد بنزين أم لا؟ أمسكت بجهاز اللاسلكي، واتصلت بالقسم، فرد عليّ مندوب الشرطة ماجد. قلت: ألو… هل يوجد لديكم بنزين؟ فأجاب: لا… لا يوجد. أبلغت العقيد بما قاله، فقال لي:
ـ أعد ما سمعته. فقلت: أفادوا بأنه لا يوجد بنزين. ظل مطرقًا برأسه لحظة، ثم قال: اقترب مني… وقلها في أذني. اقتربت منه حتى أصبحت قريبًا جدًا، وفجأة رفع يده وصفعني على وجهي أمام الضباط، والجنود، والرجال، والنساء، والزائرين.
اغرورقت عيناي بالدموع، ولم يكن بكائي من ألم الصفعة، بل من قسوة الموقف، ومن الإهانة التي شعرت بها أمام الجميع.
عدت إلى السيارة منكسر الخاطر، فاقترب مني العقيد بعد لحظات، وربت على كتفي محاولًا تهدئتي، ثم أخرج علبة سجائره، وناولني سيجارة كأنه يريد أن يعتذر بطريقة غير مباشرة، أو يداوي جرحًا لا تداويه الكلمات.
لكن بعض الجراح لا يزيلها الاعتذار، ولا تمحوها المجاملة، لأنها تظل محفورة في كرامة الإنسان قبل ذاكرته.
ومرت الشهور سريعًا، حتى أنهيت مدة الخدمة العسكرية كاملة، وتسلمت شهادة إنهاء الخدمة الوطنية، ثم عدت إلى قريتي، إلى أمي، وإلى ابنتي التي وُلدت في أواخر فترة خدمتي العسكرية.
وهكذا أغلقت صفحةً من أصعب صفحات حياتي، لكنها بقيت محفورة في ذاكرتي، بما حملته من آلامٍ وتجاربٍ صنعت مني إنسانًا أكثر صبرًا وصلابة.
وفي الجزء التاسع، سأروي لكم كيف خرجت من قريتي، واتجهت من جديد إلى إحدى البلاد العربية، لتبدأ رحلة أخرى من رحلات الغربة، تحمل في طياتها آمالًا جديدة، وابتلاءات لم أكن أتوقعها.
:::**
هذا الجزء أصبح أكثر ترابطًا وقوةً من الناحية الأدبية، مع الحفاظ على تسلسل الأحداث والمضمون الأصلي، وإبراز المشاعر الإنسانية التي رافقت تلك المرحلة من حياة المغترب.
شرح الجزء الثامن من قصة المغترب
يجسد الجزء الثامن من قصة المغترب مرحلةً فاصلة في حياة البطل، إذ يجمع بين مرارة الخدمة العسكرية، وحنين الأسرة، وقسوة الواقع، ليكشف كيف يمكن لتجارب الحياة أن تصنع شخصية الإنسان وتعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى العالم.
تبدأ الأحداث بعودة البطل إلى قريته في إجازة قصيرة بعد وفاة زميله الجندي روماني جابر عطا الله، وهي عودة تحمل في ظاهرها الفرح بلقاء الأسرة، لكنها تخفي في أعماقها حزنًا لم يستطع أن يتركه داخل أسوار المعسكر. وهنا يبرز التناقض بين دفء البيت وبرودة الذكريات التي ترافقه أينما ذهب.
ثم ينتقل السرد إلى الصراع داخل المؤسسة العسكرية، عندما يحاول الرائد لمعي إجباره على الوقوف على جهاز الإطفاء الذي تسبب في وفاة زميله. ولا يمثل هذا الموقف مجرد تنفيذ أمر عسكري، بل يرمز إلى مواجهة بين الضمير الإنساني والسلطة، حيث يرفض البطل العودة إلى مكان ارتبط في ذاكرته بالموت والفقد، متمسكًا بقناعته مهما كانت العواقب.
ويظهر تدخل قائد الدفاع المدني ليعيد شيئًا من العدالة، فيؤكد أن القيادة الحقيقية لا تقوم على التخويف، وإنما على الحكمة والإنصاف، وأن احترام الإنسان جزء من احترام الواجب.
وتتصاعد الأحداث عندما يتعرض البطل للصفع أمام الحاضرين أثناء أداء واجبه في خدمة زوار دير السيدة العذراء مريم. وتُعد هذه الحادثة من أكثر المشاهد تأثيرًا في هذا الجزء؛ لأن الألم لم يكن ناتجًا عن الضربة نفسها، بل عن شعوره بالإهانة أمام الناس. فالكرامة الإنسانية قد تتألم بكلمة أو موقف أكثر مما تتألم بضربة جسدية.
وعندما يحاول المسؤول تهدئته بعد ذلك، يدرك القارئ أن بعض الأخطاء لا تُمحى بسهولة، وأن الاعتذار المتأخر لا يمحو أثر الإهانة حين تستقر في ذاكرة الإنسان.
ويختتم الجزء بانتهاء الخدمة العسكرية، وعودة البطل إلى قريته حاملًا شهادة إنهاء الخدمة، لكنه يعود أيضًا محملًا بتجارب صنعت شخصيته، ورسخت في داخله معاني الصبر، والتحمل، والإصرار على مواصلة الحياة رغم قسوتها.
ومن الناحية الفكرية، يؤكد هذا الجزء أن الإنسان قد يمر بمواقف قاسية تهز كرامته وتختبر صبره، لكن القوة الحقيقية تكمن في قدرته على النهوض من جديد، وتحويل الألم إلى خبرة، والخبرة إلى دافع للاستمرار. ولهذا لا يمثل هذا الفصل نهاية مرحلة عسكرية فحسب، بل بداية فصل جديد من رحلة المغترب، حيث ينتظره طريق آخر من الكفاح في بلاد الغربة، محملًا بالأمل رغم كل ما عاشه من معاناة.