كتب رياض الفرطوسي
في عام 1258 دخل المغول بغداد، وتقول الروايات إن مياه دجلة اسودّت من حبر الكتب التي أُلقيت فيها. بعد سبعة قرون ونصف، وقف العراقيون في نيسان 2003 أمام المتحف الوطني وقد نُهبت قاعاته، ورأوا المكتبة الوطنية تحترق. التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يذكّرنا بأن الحضارات لا تموت حين يُقتل أهلها فقط، بل حين تُمحى ذاكرتها. ومن عاش في العراق يعرف هذا الدرس أكثر من غيره.
العالم اليوم يعيش ما يشبه تلك اللحظة على نطاق كوني. غزة تُسوّى بالأرض أمام الكاميرات، ويخطف رئيس دولة وتُحتل مواردها، ويتحدث رئيس أقوى دولة في العالم عن تدمير حضارة بحجم الحضارة الإيرانية كما يتحدث عن صفقة عقارية. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نشهد صراع حضارات فعلاً، أم شيئاً أخطر منه؟
في عام 1993 كتب صمويل هنتنغتون أن الصراع القادم سيكون بين الحضارات لا بين الأيديولوجيات، وصار كتابه إنجيلاً لصقور واشنطن. لكن إدوارد سعيد ردّ عليه بأن ما نراه (صراع جهالات) لا صراع حضارات، فالحضارات ليست كتلاً صمّاء متناحرة، بل أنهار متداخلة تأخذ من بعضها. وفي الجهة المقابلة بشّر فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ وانتصار الليبرالية، ثم تراجع عن تفاؤله مع الأزمات المتلاحقة. وقبلهما قال أرنولد توينبي إن الحضارات تموت بالانتحار لا بالقتل، أي حين تفقد نخبتها القدرة على الاستجابة لتحدياتها وتستبدل بالإبداع القمع وبالكفاءة الولاء.
ويبدأ السقوط من الداخل في أغلب الأحيان. الاتحاد السوفيتي لم تسقطه الصواريخ، بل أسقطه تكلّس بنيته وغياب المساءلة وتراكم الولاءات على حساب الكفاءات. غير أن تحميل رجل واحد، مهما علا منصبه، مسؤولية انهيار إمبراطورية تبسيط يخفي أكثر مما يكشف. المنصب مهم بلا شك، لكن النظام الذي يُنتج المناصب ويحميها أهم. وما صعد به نمور آسيا وماليزيا والصين لم يكن مجرد حكمة زعماء، بل مؤسسات تكافئ الإنجاز وتعاقب الفشل. لا توجد دولة نهضت بقائد عبقري وجهاز فاسد، ولا دولة سقطت بجهاز رشيد وقائد متواضع.

والخلل الأكبر في الخطاب الذي يرى (مؤامرة) واحدة تقودها قوة واحدة لابتلاع الحضارات هو أنه يمنحنا عزاءً مريحاً، لأن المؤامرة تعفينا من السؤال عن مسؤوليتنا. الأدق أن ما يحدث ليس مخططاً محكماً، بل تقاطع مصالح: مال بلا ضابط، وسلاح بلا مساءلة، وتقنية تتسارع أسرع من أخلاقياتها، وقانون دولي يُطبَّق على الضعيف ويُعلَّق عن القوي. ولا يحتاج أحد إلى غرفة سرية ليحدث ذلك، فالمصالح تتحرك وحدها حين يغيب الرادع. وقد سمّت حنة أرندت (فيلسوفة سياسية ألمانية) هذا الوجه من الشر (تفاهة الشر): شرٌّ يرتكبه موظفون عاديون يطيعون الأوامر ولا يفكرون.
غير أن وراء الضجيج السياسي تحوّلاً أعمق قد يكون أخطر من الحروب نفسها. يحذّر المؤرخ يوفال هراري من أن الذكاء الاصطناعي قد يخلق طبقة بشرية (بلا جدوى اقتصادية)، لا لأنها فقدت قيمتها الإنسانية، بل لأن السوق لم يعد يحتاج إليها. وإذا كانت الحضارات القديمة قامت على الإنسان بوصفه عاملاً ومقاتلاً وعالماً ومؤمناً، فإن نظاماً تديره الخوارزميات ورؤوس الأموال قد يجعله هامشياً. هذه ليست نبوءة محتومة، لكنها اتجاه حقيقي يستحق أن نقرأه بجدية بدل أن نستسلم له أو نسخر منه.
وفي قلب الصورة العربية نجد ما هو أقسى: الاستهداف المنهجي للذاكرة. لقد رأينا داعش تهدم نمرود والحضر وتفجّر متحف الموصل، ورأينا الاحتلال يترك المتحف الوطني ويحمي وزارة النفط. ورأينا في غزة المساجد والكنائس والأرشيفات والجامعات تُمحى. هذه ليست أضراراً جانبية، بل إنها تعني أن تُترك الشعوب بلا جذور تقف عليها. ومن يُمحى تاريخه يسهل اقتياده، ومن يُشوَّه رمزه يسهل إقناعه بأنه بلا قيمة.
لكن الاستسلام ليس قدراً. فالحضارات التي نجت عبر التاريخ نجت لأنها فعلت ثلاثة أشياء. حفظت ذاكرتها قبل أن تفقدها، فالرقمنة وتوثيق المخطوطات والآثار والروايات الشفوية معركة لا تقل أهمية عن معارك الحدود. واستثمرت في العقل لا في الشعارات، فنهضت اليابان وكوريا وألمانيا بعد الخراب لأنها جعلت التعليم والبحث العلمي أولوية وطنية. وأنتجت خطاباً يخاطب العالم بلغته لا بلغة الندب، فالرأي العام الغربي نفسه، كما رأينا في مظاهرات الجامعات، قابل للتحرك حين يرى الحقيقة موثّقة ومقنعة.
وأمام القارئ العربي، والعراقي خصوصاً، خلاصة واضحة. لا تصدّق أن الحضارة ماتت، فهي لا تموت ما دام فيها من يحمل ذاكرتها ويبني مؤسساتها. ولا تصدّق أن العدو خارجي فقط، فالفساد وتقديم الولاء على الكفاءة سلاح أمضى من أي طائرة. ولا تترك روايتك لغيرك يكتبها. وتذكّر أن بغداد التي أُحرقت مكتباتها عام 1258 أصبحت عاصمة العلم من جديد، لأن أهلها لم يتوقفوا عن الكتابة.
الحضارة التي يتخلى أهلها عن عقولهم هي التي تلتهم أبناءها، وليس الغزاة. فمن أراد النجاة فليبدأ بما يملكه: ذاكرته وعقله وصدق سؤاله.
الحضارة تلتهم أبناءها

