المقالات

الشخصية الحدية أى المتقلبة !

الشخصية الحدية أى المتقلبة !
إعداد/ حازم خزام بالهيئة العامة للإستعلامات برئاسة الجمهورية

متابعة عادل شلبى

تعانى الشخصية الحدية من اضطرابات شديدة في النفكير والتصرف والشعور تجاه النفس ونحو الآخرين. فكل هذه الجوانب غير ثابتة لديه

وتتحرك من النقيض إلى النقيض فجأة ودون مقدمات، فعلى سبيل المثال نجد هذه الشخصية عاشقة لشيء أو شخص معين بدرجة كبيرة ونراه يتغزل

في ذكر مفاتن ومحاسن هذا الشيء ويرتبط به لأبعد حدود، وسرعان ما ينقلب عليه تماما ويكرهه ويحط من قدره. فعدم الثبات والتقلب هما من

السمات الأساسية لهذه الحالة المرضية. كما أن تغير المزاج في هذه الحالة يكون اضطراريا ومرضيا. بمعنى أنه لا يمكن للمريض السيطرة على تصرفاته

أو التحكم في انفعالاته. ترجع التسمية إلى أن المريض ينقلب من أقصى الحدود إلى الحدود المقابلة لها من الحب إلى الكراهية من الرغبة إلى الرفض التام فليس لديه وسطية ولهذا أطلق على الحالة اسم

Borderline Personality Disorders أو اختصار BPD أي اضطرابات الشخصية الحدية، وتشير الإحصاءات إلى انتشار هذه الحالة بنسبة 6٪ بين

البالغين من أفراد المجتمع الواحد، كما أن النساء الأكثر إصابة من الرجال وهي نسبة ليست بالهينة كما نرى. وقديما كان ينظر إلى هذه الاضطرابات

على أنها إحدى صور ازدواج الشخصية، ولكن مع المزيد من الفحص وتقدم علم النفس وجد أن هناك اختلافا شديدا في الأعراض وتطورها ونتائجها.

فعادة ما يصاحب اضطرابات الشخصية مجموعة من الأعراض المرضية الأخرى مثل الشره المرضي أو العزوف عن الطعام، وكذلك لوحظ أن هؤلاء

المصابين بتلك الاضطرابات يقبلون على الإدمان باختلاف أنواعه ومن الممكن أن يظهر على المريض بعض العلامات التي يلاحظها من حوله مثال

ذلك التصرفات النرجسية وتفخيم الذات وزيادة الأنا لديه والذي يحاول إثباته للجميع حتى وإن اضطره ذلك لاستخدام العنف.
أسباب هذه الاضطرابات

مثله في ذلك مثل بقية الاضطرابات الذهنية، لا يمكن أن نضع أيدينا تحديدا على السبب المباشر لإصابة أي شخص بأعراض الشخصية الحدية. ولكن

وجد أن هناك مجموعة من العوامل التي تشترك وتتضامن مع بعضها البعض للوصول لهذا المرض. وتتنوع هذه العوامل ما بين البيولوجية والاجتماعية.

فمن الناحية البيولوجية وجد أن المصابين بهذا المرض يعانون أيضا من بعض التشوهات في مناطق المخ. مثال ذلك اختلاف حجم منطقة

هيبوكامبس وأميجدالا وكذلك الفص الأمامي للمخ وهي المناطق المسؤولة عن تنظيم المشاعر وخاصة دمج المشاعر مع الأفكار. ويعتقد بعض العلماء

أن الجينات الوراثية تدلي هي الأخرى بدلوها في هذه الاضطرابات، حيث لوحظ انتقالها عبر أفراد الأسرة الواحدة. أما عن الأسباب الاجتماعية فقد

أكدت التجارب على أن معظم الذين يصابون بهذه الحالة قد تعرضوا للعدوان في الصغر كما مروا بتجارب من العنف والقهر وكذلك الرفض الأسري

والمجتمعي. ومما لاشك فيه أن لهذه الاضطرابات آثارا مدمرة قوية على الشخص نفسه وعلى كافة العلاقات من حوله سواء بمكان العمل أو وسط

الأهل والأصدقاء، حيث إن من الصعب التعامل مع شخص متذبذب المشاعر يقبل على الآخرين بمرح وتفاؤل ثم ينقلب إلى موجة عارمة من الغضب

ودون أي مقدمات، فالذين يتعاملون مع هذه الشخصية يشعرون بنوع من الحيرة ولا يستطيعون تحديد الأسس الصحيحة لتعامل معه. كما أن نوبات

الغضب والتمرد المتكررة تنفر منه الآخرين وتضعه في منطقة منعزلة اجتماعيا، فلا يوجد بيننا من يفضل التعامل مع شخص متقلب المزاج بين

الحين والآخر، فلا نأمنه في لحظة التعامل. ويعتقد الكثيرون منا أنه مريض بالعصبية ولكن هذه العصبية ما هي إلا عرض فقط من أعراض الحالة.

علامات وأعراض الشخصية الحدية
لكي نقول إن شخصا ما مصابا بالاضطرابات الحدية فلابد أن تظهر عليه خمس علامات على الأقل من أعراض الحالة كالتالي..

عدم وجود تصور ثابت لديه عن نفسه. حيث يوجد تحول مفاجئ وسريع لما يحب ويكره، ومن الممكن أن تلحظ لديه نقاطا للقوة يتخلى عنها في أقرب

وقت ممكن، أهدافه هي الأخرى متغيرة بطريقة متلاحقة كما أن قيمه ومبادئه تشهد التبدل والتغير فالاضطراب وعدم الاستقرار هو السمة الغالبة على هذه الشخصية.

عدم الاستقرار أيضا يظهر في علاقة الشخص مع الآخرين من حوله. فاليوم هو يرى زميله في العمل أو صديقه غاية في المثالية وغدا هو إنسان شرير

ولا يستحق صداقته على الإطلاق، فالانقلاب يكون إلى الضد أو النقيض ولا يعرف التدرج أو الوسطية لأجل

ذلك فهي شخصية حدية تنقلب من الحد الأقصى إلى الحد الأدنى فجأة.
وإذا كان الاضطراب أو عدم الثبات هو السمة الأبرز فإن مشاعره أيضا تكون

شاهدة على ذلك. فإذا وجدته ضاحكا مستمتعا فلا تأمنه فسرعان ما ينقلب إلى الغضب والضجر.

يبذل قصارى جهده لكي لا يتخلى عنه الآخرون سواء كان هذا التخلي على حق أم لا. وهذا الأمر يضعه تحت ضغوط نفسية رهيبة.

يعاني مريض الاضطرابات الحدية من الاندفاع في بعض النواحي. وهنا يقوم بالفعل أولا ثم يفكر بعد ذلك. وهذه النواحي التي تشهد اندفاعه غالبا

ما تكون التسوق، فنجده يشتري أشياء لا يستخدمها ولن يحتاجها ولا يفكر في هذا الأمر إلا بعد الشراء. نفس الأمر يحدث في مناطق أخرى من حياته

وبطريقة فجائية مثل عادات تناول الطعام وعادات الإنفاق وحتى التحول في طريقة قيادة السيارة ولكن أشهر هذه التحولات الاندفاعية هي عندما

يقرر فجأة ودون سابق إنذار قطع علاقته بشخص معين حتى وإن كان السبب غير مقنع.

عندما تسوء الحالة وتصل إلى درجة متأخرة ربما يعاني من الاكتئاب ونوبات من البكاء خاصة عندما يكون منفردا بنفسه

إضافة إلى بعض السلوكيات التي يضر بها نفسه مثل جرح أجزاء معينة من الجسم ومحاولة الانتحار.

إحساس شديد بالفراغ.
غضب غير مبرر في كثير من الأحيان.
مشكلات بالذاكرة.

وكما نعلم فلا يوجد اختبار أو فحص معين مثل فحوصات الدم لتشخيص هذه الحالة ولكن كل شخص يستطيع أن يحدد بنفسه من خلال النظر إلى

هذه الأعراض، فإذا وجد أنه يعاني من خمسة أعراض على الأقل فربما يكون ضروريا اللجوء إلى الاختصاص وغياب التشخيص والتأخر في طلب

المساعدة يؤدي إلى حدوث مجموعة من الانتكاسات النفسية التي تضر بالمريض، فعلى سبيل المثال يتطور لديه القلق والتوتر النفسي بصورة

مستمرة تكاد تعصف بحياته، فنحن على دراية جيدة بالآثار السلبية المدمرة للضغوط النفسية على حياة الإنسان. وربما يدفعه ذلك إلى الانتحار

والتخلص من حياته أو إلحاق الضرر البدني بنفسه، كما يعاني من بعض الأفكار السلبية على مدار اليوم، الأمر الذي يؤدي به إلى الوقوع في إتون

الاكتئاب وفي بعض الأحيان يضطر إلى العنف للخروج من ظلمة كل هذه الانفعالات السلبية ومن الممكن أن يكون العنف موجها إلى أقرب الأشخاص

إليه، كالأبناء أو الأصدقاء. ويلجأ هذا الشخص دائما إلى الإسراف في تناول الأدوية المهدئة والإكثار منها.
العلاج

بعد التأكد من الإصابة بهذه الحالة من الاضطرابات الحدية يأتي دور العلاج والذي يكون التركيز فيه من قبل المختصين منصبا على أربعة جوانب، وهي

التصور الذي يبنيه الشخص عن نفسه والتصرفات الاندفاعية التي تحدثنا عنها وكذلك عدم ثبات الحالة المزاجية، وأخيرا المشكلات المتعلقة بالآخرين

من حوله. حيث يحاول المعالج مخاطبة هذه المناطق لدى المريض وذلك عن طريق بناء أربع مهارات سلوكية لدى المريض، توعية هذا الشخص واستدعاء

روح التسامح لديه وتنظيم مشاعره وعواطفه وأخيرا إمداده ببعض المهارات الشخصية التي تساعده على التفاعل الإيجابي بالمواقف المختلفة. ومن

خلال هذه الطريقة يعلم الشخص مدى الأضرار التي تقع عليه وعلى الآخرين جراء تصرفاته. وهذه هي الخطوة الأولى

التي لو تمت بنجاح سيترتب على أثرها الشفاء التام. فعندما يدرك هذه الأضرار ينتقل به المعالج إلى مرحلة

أخرى وهي الطرق المختلفة للتغلب على هذه الحالة ومنع أعراضها من الظهور،

وخلال فترة العلاج يقوم المعالج بإعطاء المريض بعض الأدوية المهدئة على حسب حالته.

حازم خزام بالهيئة العامة للاستعلامات برئاسة الجمهورية

اكمل القراءة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار