أحدث الأخبار
الرئيسية » الفلسفه المصرية بين العولمه والعلمنه والثوابت الدينيه
اخبار

الفلسفه المصرية بين العولمه والعلمنه والثوابت الدينيه

الفلسفه المصرية بين العولمه والعلمنه والثوابت الدينيه

الفلسفه المصرية بين العولمه والعلمنه والثوابت الدينيه

بقلم محمد عطا القطيعي 

 

قراءة في الفوارق الحقيقية وحدود التأثير ومساحة التوازن

ليست المشكلة في أن تتغير الدنيا من حولنا، وإنما في أن يتغير الإنسان دون أن يعرف: إلى أين يمضي؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يترك؟

وهنا تبدأ المسألة الفلسفية الحقيقية؛ فمصر ليست جزيرة معزولة عن العالم، وليست صفحة بيضاء تُكتب عليها أفكار الآخرين، وإنما هي وطن له تاريخ طويل، وذاكرة حضارية عميقة، وهوية دينية وثقافية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الدين والعقل واللغة والتاريخ والمجتمع.

ومن هنا تأتي ضرورة التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في النقاش العام:

العولمة، والعلمنة، والثوابت الدينية.

فالعولمة في أصلها ليست دينًا جديدًا، ولا عقيدة بديلة، وإنما هي اتساع دائرة التواصل بين الشعوب والدول، وانتقال الأفكار والمعلومات والثقافات والاقتصاد والتكنولوجيا عبر الحدود بسرعة لم يعرفها الإنسان من قبل.

أما العلمنة فهي مفهوم آخر؛ يتعلق في جوهره بتنظيم العلاقة بين الدين والمجال العام والدولة والمؤسسات، وقد اتخذ صورًا متعددة في التجارب التاريخية المختلفة، ولذلك فمن الخطأ اختزالها دائمًا في معنى واحد أو اعتبارها مرادفًا للإلحاد أو العداء للدين.

أما الثوابت الدينية فهي دائرة مختلفة تمامًا؛ لأنها تتصل بما يراه المؤمن أصلًا عقديًا أو تشريعيًا أو قيميًا ثابتًا في دينه، ولا يجوز أن تُعامل هذه الثوابت باعتبارها مجرد اتجاه اجتماعي عابر يخضع كلّه لتقلبات الموضة الفكرية أو التحولات السياسية.

وهنا يظهر السؤال الأصعب:

كيف تنفتح مصر على العالم دون أن تفقد ذاتها؟ وكيف تستفيد من العولمة دون أن تتحول إلى نسخة من غيرها؟ وكيف يمكن مناقشة العلمنة بعقل هادئ دون أن يتحول الحوار إلى معركة بين الدين والحداثة؟

إن الإجابة لا تكون بالصراخ، وإنما بالتمييز.

فالعولمة يمكن أن تمنح الإنسان المصري معرفة أوسع، وتكنولوجيا أحدث، وفرصًا اقتصادية وثقافية جديدة، لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تنقل إليه أنماطًا من التفكير والسلوك لا تتوافق بالضرورة مع بيئته وقيمه.

ولذلك فالمشكلة ليست في العولمة ذاتها، وإنما في طريقة التعامل معها.

فليس كل ما يأتي من الخارج سيئًا لأنه أجنبي، وليس كل ما يأتي من الخارج صالحًا لأنه حديث.

العقل هو الميزان.

نأخذ من العالم علمه، ولا نستعير منه بالضرورة هويته.

نأخذ التكنولوجيا، ولا نتنازل عن القيم.

نأخذ المعرفة، ولا نبيع الذاكرة.

نستفيد من التجارب الإنسانية، دون أن نُسقط خصوصيتنا الحضارية.

وهنا تأتي العلمنة باعتبارها موضوعًا يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.

فالفصل بين بعض مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية في بعض النظم السياسية لا يعني بالضرورة محو الدين من المجتمع، كما أن حضور الدين في المجال الاجتماعي والثقافي لا يعني بالضرورة أن تتحول كل مؤسسة مدنية إلى مؤسسة دينية.

والخلط بين الأمرين يفسد النقاش من أساسه.

فالدولة الحديثة تحتاج إلى قانون ومؤسسات ومواطنة وحقوق وواجبات، والمجتمع في الوقت نفسه يحتاج إلى منظومة أخلاق وقيم تمنح الإنسان معنى يتجاوز المصلحة الفردية الآنية.

ومن الخطأ أن نضع القانون في مواجهة الأخلاق، أو العقل في مواجهة الدين، أو الحداثة في مواجهة الهوية؛ لأن هذه الثنائيات قد تبدو جذابة في الخطاب، لكنها أكثر تعقيدًا في الواقع.

أما الثوابت الدينية، فهنا يجب أن يكون الحديث أكثر حذرًا.

لأن هناك فرقًا بين الثابت والمتغير، وبين النص وفهم النص، وبين جوهر العقيدة والاجتهاد البشري حولها.

وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ إذ إن كثيرًا من الصراعات الفكرية لا تنشأ من اختلاف الناس حول الثوابت ذاتها، وإنما من اختلافهم حول تفسيرها وتنزيلها على واقع متغير.

ومن هنا فإن الحفاظ على الثوابت لا يعني إغلاق باب التفكير، كما أن التجديد لا يعني هدم الثوابت.

بل إن التجديد الحقيقي هو أن يمتلك الإنسان القدرة على قراءة واقعه الجديد في ضوء أصوله وقيمه، لا أن يختار بين الماضي والمستقبل وكأنهما عدوان لا يمكن الجمع بينهما.

فالحضارة التي تخاف من السؤال حضارة ضعيفة، والدين الذي يحتاج إلى الجهل كي يُحفظ فهمٌ ضعيف للدين، والمجتمع الذي يرفض العالم خوفًا من التأثر به مجتمع يحكم على نفسه بالعزلة.

لكن في المقابل، فإن مجتمعًا يفتح أبوابه لكل شيء بلا وعي ولا نقد، إنما يستبدل التبعية القديمة بتبعية جديدة.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة الفلسفة.

الفلسفة ليست أن تقول: نعم أو لا.

الفلسفة أن تسأل:

لماذا نعم؟ ولماذا لا؟ وما النتائج؟ وما البدائل؟ وأين تقف حدود الحرية؟ وأين تبدأ مسؤولية الإنسان؟

والفلسفة المصرية التي نحتاج إليها اليوم ليست فلسفة تعيش في أبراج عاجية، وإنما فلسفة تنزل إلى الشارع، وإلى الجامعة، وإلى المدرسة، وإلى الأسرة، وإلى الإعلام، وإلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتسأل الإنسان المصري عن مستقبله وهويته وعلاقته بالعالم.

إن مصر تستطيع أن تكون حديثة دون أن تكون مقلدة، ومنفتحة دون أن تكون ذائبة، ومتمسكة بثوابتها دون أن تكون منغلقة، وقادرة على الحوار مع العالم دون أن تتخلى عن شخصيتها.

وهذا هو التحدي الحقيقي.

فالعولمة تقول لنا:

العالم أصبح أقرب.

والعلمنة تضع أمامنا سؤالًا:

كيف ننظم العلاقة بين الدين والدولة والمجال العام؟

والثوابت الدينية تقول للمؤمن:

هناك أصول وقيم لا ينبغي أن تتحول إلى سلعة في سوق التغيير.

أما العقل المصري فينبغي أن يقول:

سأفهم، وأناقش، وأميز، وأختار.

فليست العظمة أن نغلق النوافذ خوفًا من الريح، وليست الحكمة أن نفتحها كلها حتى تعصف بنا العاصفة.

العظمة أن نعرف أي نافذة نفتح، ومتى نفتحها، وماذا يدخل منها، وماذا نمنع عنه بيوتنا.

وهنا يكون التوازن الحقيقي:

لا عولمة تبتلع الهوية، ولا انغلاق يخنق العقل، ولا علمنة تُفهم باعتبارها حربًا على الدين، ولا تدين يتحول إلى رفض لكل جديد.

إن مصر لا تحتاج إلى أن تختار بين الهوية والحداثة، وإنما تحتاج إلى أن تصنع حداثتها الخاصة؛ حداثة تعرف جذورها وهي تتطلع إلى المستقبل.

فالذي لا يعرف أصله قد يضيع في العالم، والذي يرفض العالم قد يظل واقفًا على عتبة التاريخ.

أما الإنسان الذي يعرف من هو، وماذا يريد، وما الذي يؤمن به، فهو وحده القادر على أن يدخل العالم ضيفًا كريمًا لا تابعًا ذليلًا.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:

ليست المعركة بين العولمة والدين، ولا بين الحداثة والهوية؛ وإنما المعركة الحقيقية بين الوعي والجهل، وبين النقد والتقليد، وبين الإنسان الذي يختار مصيره والإنسان الذي يترك الآخرين يختارون له.

وهنا تبدأ الفلسفة…

وهنا يبدأ السؤال المصري الكبير:

كيف نكون من العالم… دون أن نفقد أنفسنا؟

 القطيعى الشريف

الفلسفه المصرية بين العولمه والعلمنه والثوابت الدينيه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *