الرئيسية » الكراهية… حين تصبح الكلمة مسؤوليخطابة
Uncategorized

الكراهية… حين تصبح الكلمة مسؤوليخطابة

الكراهية... حين تصبح الكلمة مسؤوليخطابة

الكراهية… حين تصبح الكلمة مسؤوليخطابة

بقلم المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش
محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان
غزة – فلسطين
الخميس 3 سبتمبر/أيلول 2026م
في غزة، حيث تركت الحرب على الذاكرة أكثر مما تركت على الجدران، تعلّمنا أن للكلمة وزنًا لا يُرى، لكنه قد يكون أثقل من الحجر. كلمة قد تمنح إنسانًا قوة على الصمود، وأخرى قد تفتح جرحًا لم يلتئم، وثالثة قد تتحول إلى شرارة تشعل خصومة بين أشخاص أو جماعات. لذلك لم يعد خطاب الكراهية بالنسبة إلينا مجرد قضية لغوية أو نقاش نظري حول حدود التعبير، بل أصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه: ماذا يحدث عندما تتحول الكلمة من وسيلة للتعبير إلى وسيلة لإلغاء الآخر؟
حرية الرأي والتعبير حق أصيل لا تستقيم الحياة العامة بدونه. فهي تمنح الإنسان القدرة على التفكير والنقد والمشاركة ومساءلة أصحاب السلطة، وقد كرّستها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وفي المقابل، أكدت المادة 20 من العهد الدولي ضرورة حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية عندما تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. وهنا يجب أن يكون التمييز واضحًا: ليس كل رأي مخالف خطاب كراهية، وليس كل نقد قاسٍ تحريضًا، وليس من حق السلطة أن تستخدم هذا المصطلح لإسكات خصومها.
المجتمع الحر لا يخاف من الاختلاف، بل يعرف كيف يديره. ومن حق الإنسان أن ينتقد مسؤولًا أو مؤسسة أو سياسة، وأن يرفض فكرة أو موقفًا، حتى لو كان رأيه مزعجًا أو غير مريح. لكن الخطاب يتغير عندما يتوقف عن مناقشة الأفكار ويبدأ في استهداف الإنسان بسبب هويته أو أصله أو دينه أو انتمائه، أو عندما يتحول إلى دعوة لإقصائه أو التمييز ضده أو ممارسة العنف بحقه.
الكراهية لا تظهر دائمًا بصورة صريحة. قد تبدأ بكلمة، ثم تتكرر حتى تصبح صورة نمطية، وتتحول الصورة النمطية إلى حكم اجتماعي، ثم إلى تمييز، وقد تنتهي في البيئات الهشة إلى عنف واضطهاد. ولهذا فإن خطورة خطاب الكراهية ليست في العبارة وحدها، وإنما في قدرتها على تغيير نظرة الإنسان إلى إنسان آخر، حتى يصبح المختلف في نظر البعض أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للحماية.
وفي العصر الرقمي، أصبحت هذه العملية أسرع وأوسع. الكلمة التي كانت تصل إلى عشرات الأشخاص أصبحت قادرة على عبور القارات خلال دقائق، والمنشور الواحد يمكن أن يتحول إلى موجة من الغضب والتحريض قبل أن تتاح فرصة لتصحيح المعلومات أو احتواء آثارها. لكن التكنولوجيا ليست عدوًا في ذاتها؛ فالمنصات الرقمية منحت الضحايا أيضًا فرصة للكلام، وساعدت في كشف انتهاكات وإيصال أصوات كانت ستبقى بعيدة عن مسامع العالم. لذلك لا نحتاج إلى إسكات الفضاء الرقمي، بل إلى بناء وعي يعلّمنا كيف نستخدمه دون أن يتحول إلى ساحة لإيذاء الإنسان.
ومن هنا، فإن مواجهة خطاب الكراهية تحتاج إلى قانون يقظ وعادل في آن واحد. لا يجوز أن تتحول مكافحة الكراهية إلى ذريعة لتجريم النقد أو ملاحقة الصحفيين أو إسكات المعارضين، كما لا يجوز أن تصبح حرية التعبير غطاءً للتحريض على الآخرين. فالمعايير الدولية نفسها تؤكد أن القيود على حرية التعبير يجب أن تكون محددة بالقانون وضرورية ومتناسبة، وأن مواجهة التحريض لا تعني إلغاء الحق في التعبير.
وفي المجتمعات التي عاشت الحروب والنزاعات والانقسامات، تصبح مسؤولية الكلمة أكبر. فالإنسان الذي عاش الفقد يعرف أن الكلمة قد تكون جزءًا من الجرح، لكنه يعرف أيضًا أنها يمكن أن تكون جزءًا من العلاج. الكلمة الحرة قد تكون شهادة للضحية، ورفضًا للظلم، ودفاعًا عن الحقيقة. لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف إسكات الألم، بل التعبير عنه بطريقة لا تحول الألم إلى كراهية، ولا تجعل من ضحية الأمس صانعًا لظلم جديد.
لكن مواجهة خطاب الكراهية لا تبدأ من قاعات المحاكم وحدها. القانون يتدخل عندما تتحقق المخالفة أو الجريمة، أما الوقاية فتبدأ من المجتمع. تبدأ من أسرة تعلم أبناءها أن الاختلاف لا يعني العداء، ومن مدرسة تجعل احترام الآخر جزءًا من التربية، ومن إعلام يدرك أن الكلمة قد تهدئ مجتمعًا أو تشعل غضبه، ومن فرد يتوقف لحظة قبل أن ينشر محتوى قد يؤذي إنسانًا لا يعرفه. كما أن مواجهة الخطاب الضار لا تعتمد على المنع والعقوبة وحدهما، بل يمكن أن تقوم أيضًا على التعليم والحوار والخطاب المضاد المسؤول.
والوعي القانوني في هذا السياق لا يعني حفظ المواد والنصوص، وإنما فهم معناها الإنساني؛ أن نعرف أن حريتنا لا تمنحنا حق الاعتداء على كرامة الآخرين، وأن حماية الكرامة لا تعني إلغاء حقنا في الاختلاف. وبين هذين المبدأين يقف القانون ليحمي التوازن، لا ليصنع الصمت.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد المجتمع الكراهية. عندما تصبح الإهانة عادية، والتحريض مزحة، والتنميط حقيقة، ويصبح المختلف هدفًا سهلًا لمجرد أنه مختلف، تكون المشكلة قد تجاوزت الكلمات وأصبحت جزءًا من الثقافة العامة. عندها لا يعود السؤال فقط: من قال الكلمة؟ بل: كيف سمحنا لها أن تصبح طبيعية؟
لقد علّمتنا التجربة الإنسانية أن الحروب لا تبدأ دائمًا بالسلاح؛ أحيانًا تبدأ بالطريقة التي يُنظر بها إلى الآخر. وحين ينجح خطاب ما في إقناع الناس بأن الآخر أقل قيمة، أو أقل حقًا في الكرامة والحياة، يصبح الطريق إلى العنف أقصر. ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست حربًا على الكلمات، بل دفاعًا عن إنسانية الإنسان.
وفي النهاية، الحرية ليست أن نقول كل ما نريد دون حساب، كما أن المسؤولية ليست أن نصمت خوفًا من الخطأ. الحرية أن تقول رأيك، والمسؤولية أن تدرك أثره. الحرية أن تعترض على الفكرة، دون أن تحول صاحبها إلى عدو. والحرية أن تفضح الظلم، دون أن تجعل الكراهية وسيلة لمواجهته.
من غزة، حيث يعرف الإنسان معنى أن يحمل الألم في ذاكرته، أؤمن أن الكلمة تستطيع أن تكون موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون مجرد تعبير. تستطيع أن تقول «لا» للظلم دون أن تقول «نعم» للكراهية، وأن تدافع عن الحق دون أن تسلب الآخر إنسانيته، وأن تفتح نافذة للحوار في جدار يبدو مغلقًا.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل كلمة ليس: هل أستطيع أن أقولها؟ وإنما: هل أستطيع أن أتحمل مسؤولية أثرها؟
فالكلمة التي تحترم الإنسان لا تضعف الحرية، بل تمنحها معناها الحقيقي. وحين تصبح الكلمة أكثر وعيًا، يصبح الاختلاف أكثر إنسانية، وحين تصبح الحرية أكثر مسؤولية، يصبح القانون أكثر عدالة، وحين نحافظ على إنسانية الإنسان الآخر، نضع أول حجر في طريق السلام.

الكراهية… حين تصبح الكلمة مسؤوليخطابة

الكراهية... حين تصبح الكلمة مسؤوليخطابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *