المِحَن … ليست نهاية الطريق، بل بداية الاصطفاء
بقلم: المعز غَنِـي

كم من قلبٍ ظنَّ أن البلاء نهاية الحكاية ، فإذا به يكتشف بعد حينٍ أنه كان أول سطور المجد … وكم من إنسانٍ بكى على بابٍ أُغلق في وجهه ، ثم حمد الله ألف مرة لأنه لم يُفتح له ، إذ كان وراءه ما لا يعلم ، وكان الله يعلم .
ويُتداول عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سُئل: ” ألم تصدك المحن عن الطريق؟ ” فقال: ” والله لولا المحن لشككت في الطريق .” وهي كلمة تختصر فلسفة الإيمان ؛ فالمؤمن لا يقيس محبة الله له بكثرة النعم ، وإنما يوقن أن الله يربيه بالرخاء حينًا ، ويصطفيه بالابتلاء حينًا آخر ، وأن وراء كل قدرٍ حكمةً ، وإن غابت عن الأبصار .
ليس البلاء عقوبةً في كل الأحوال ، بل قد يكون رسالة حب من السماء ، يطهّر الله بها القلوب ، ويغسل بها الأرواح من أدران الدنيا ، ويرفع بها الدرجات ، ويمنح بها عباده قوةً لم يكونوا ليبلغوها في حياةٍ لا تعرف سوى الراحة .
تأملوا يوسف عليه السلام … لم يكن البئر نهايةً ، بل كان بداية الطريق إلى القصر.
ولم يكن السجن قيدًا ، بل كان جسرًا إلى خزائن الأرض .
ولو بقي في حضن أبيه مدللًا ، لما عرف التاريخ يوسف عزيز مصر ، ولما أصبحت قصته أعظم درسٍ في أن الفرج قد يولد من رحم الألم .
وتأملوا موسى عليه السلام … خرج من وطنه خائفًا يترقب ، يحمل وجع الغربة ووحشة الطريق ، ثم عاد نبيًا كريمًا ، يحمل نور الرسالة ، ويواجه أعتى طغاة الأرض بثبات المؤمنين .
وأنظروا إلى سيدنا محمد ﷺ. .. خرج من مكة مهاجرًا وقلبه يفيض حبًا لها ، فعاد إليها فاتحًا ، بعدما جعل الله من الهجرة ميلاد أمة ، ومن الغربة بداية حضارةٍ أنارت الدنيا بالعدل والرحمة .
هكذا هي سنن الله … لا يمنح أعظم العطايا إلا بعد أعظم الصبر ، ولا يشرق الفجر إلا بعد أشد ساعات الليل ظلمة .
فلا تيأس إذا طال الإنتظار … ولا تحزن إذا ضاقت بك السبل … ولا تظن أن الله نسي دعاءك ، فربما كان يؤخر الإجابة ليمنحك ما هو أعظم مما تمنيت .
أما سمعت قوله تعالى :
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أما يكفيك قوله سبحانه :
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
أما يملأ قلبك طمأنينة وعده الكريم :
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
أما يزرع في روحك اليقين قوله :
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أما يبدد خوفك قوله :
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
أما يكفي قلبك سكينةً قوله عز وجل :
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
وإذا ضاقت بك الدنيا ، فتذكر أنه سبحانه يدبر الأمر ، وأن ما عند الله يأتي في موعده ، لا يتقدم لحظةً ولا يتأخر لحظة ، لأن تدبيره أكمل من تدبيرنا ، ورحمته أوسع من ظنوننا .
فلا تجعل المحنة عنوانًا للهزيمة ، بل أجعلها سلّمًا ترتقي به نحو الله ، ونحو ذاتك ، ونحو مستقبلٍ لم يكتبه لك أحد، بل كتبه الرحمن بحكمته وعدله ولطفه .
ثق بالله … فإن الأقدار وإن أوجعت ، فإنها لا تأتي عبثًا.
وما أنكسر قلبٌ صابر إلا وجبره الله ، وما أغرقت عينٌ بالدعاء إلا وكان لها عند الله موعد مع الإجابة ، وما توكل عبدٌ على ربه حق التوكل إلا كفاه ، وأغناه وفتح له من أبواب الخير ما لم يكن يحتسب .
فإجعل قلبك معلقًا برب السماء ، لا بأسباب الأرض ، وأحسن الظن بربك في كل حين ، فإن الكريم إذا أعطى أدهش ، وإذا جبر أذهل ، وإذا عوض أنسى كل وجعٍ مضى .
اللهم إنا فوضنا إليك أمرنا ووثقنا بوعدك ، وأحسنا الظن بك ، فإجعل لنا من كل ضيقٍ مخرجًا ، ومن كل همٍّ فرجًا ، ومن كل بلاءٍ عافية ، وأرزقنا من حيث لا نحتسب .
الحمد لله دائمًا وأبدًا …
وأنت يا الله حسبنا ونعم الوكيل.
أسأل الله أن يجعل اليقين نورًا في القلوب ، وأن يبدّل كل ضيقٍ فرجًا ، وكل حزنٍ سكينة ، وكل دعاءٍ بشرى قريبة بإذنه تعالى.

