بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
كانت هناك مائدةٌ طويلة…
يجلس حولها البشر جميعًا.
لا أحد يعرف من دعاهم.
ولا أحد يعرف ماذا يأكلون.
اقتربتُ من المائدة،
فوجدتُ أمام كل إنسان طبقًا واحدًا.
سألتُ العجوز الجالس إلى جواري:
— ماذا نأكل؟
ابتسم وقال: لا تسأل.
قلت: ولماذا؟
قال: لأن الطعام إذا عرفتَ اسمه… فقد شهيته.
نظرتُ إلى طبقي.
كان فارغًا.
قلت: طبقي لا يحتوي شيئًا!
فضحك… بل يحتوي أهم شيء.
— ماذا؟
اقترب من أذني وهمس: الوَهْم.
[يدخل رجلٌ يرتدي ثوبًا أبيض]
قلت: ومن أنت؟
قال: الأمل.
قلت: وماذا تطعم الناس؟
قال: غدًا.
قلت: وماذا لو جاء الغد ولم نجد شيئًا؟
ابتسم: سأعطيهم غدًا آخر.
ضحكت.
قال: لا تضحك… لولا أنني أفعل ذلك، لترك نصف البشر مقاعدهم.
[يدخل رجلٌ يحمل ميزانًا]
قلت: وأنت؟
قال: العدالة.
قلت: وهل توزع الطعام بالتساوي؟
ضحك طويلًا.
ثم قال: أنا لا أوزع الطعام.
— إذن ماذا تفعل؟
— أُقنع الجائع أن هناك ميزانًا في السماء.
نظرت إلى الميزان.
كان معلقًا بلا كفتين.
قلت: وأين كفتاك؟
قال: لا حاجة لهما.
— كيف؟
قال: يكفي أن يؤمن الناس بوجودهما.
ثم مضى.
[يدخل رجلٌ يحمل كتابًا ضخمًا]
قلت: هل تحمل الحقيقة؟
قال: أحمل كتابًا.
— وما الفرق؟
قال: الحقيقة لا تحتاج كتابًا.
— إذن ماذا تحمل؟
فتح الكتاب.
سقطت منه مئات الأصوات.
واحد يقول: أنا على حق.
والثاني يقول: بل أنا.
والثالث يقول: أنا أعرف.
والرابع يصرخ: اقرأ!
أغلق الرجل الكتاب.
وقال: المشكلة ليست أن تقرأ.
— فما المشكلة؟
— أن تنتهي من القراءة…
وأنت أقل قدرة على الشك.
[تتغير الإضاءة]
ظهر شاب أمام المرآة.
كان جميلًا.
سألته: ماذا ترى؟
قال: أرى نفسي.
اقتربتُ من المرآة.
لم أرَ شيئًا.
قلت: المرآة فارغة.
قال: لأنك لا تعرف كيف تنظر.
ثم بدأت المرآة تتشقق.
سقط الجمال قطعةً قطعة.
سأل الشاب: أين وجهي؟
أجابته المرآة: كان وجهك مؤقتًا…
وأنت صدقته دائمًا.
[يدخل رجلٌ عجوز]
قلت: وماذا عنك؟
قال: أنا الزمن.
قلت: هل تكره البشر؟
قال: لا.
— فلماذا تأخذ وجوههم؟
قال: لأنهم أعطوني إياها أولًا.
ثم التفت إلى رجلٍ قبيح يجلس وحده.
وقال: أما أنت، فلم أعثر على شيءٍ جميل أسلبه منك.
ضحك الرجل.
وقال: إذن للقبح فضيلة.
قال الزمن: أحيانًا…
أن تنجو من الفقد،
يعني ألا يكون لديك ما يكفي لتخسره.
[صوت من خلف الستار]
— هل تريد الحقيقة؟
التفتُّ.
— من أنت؟
— أنا اليأس.
قلت: إذن ابتعد.
قال: لماذا؟
— لأنك تقتل الأمل.
ضحك.
— لا.
— ماذا تفعل إذن؟
— أقتل الوهم الذي يرتدي ملابس الأمل.
سكتُّ.
قال: أنت لا تخاف مني.
— بل أخاف أن أفقد الأمل.
قال: بل تخاف أن تعرف أنك كنت تنتظر شيئًا لا وجود له.
اقترب مني.
وقال: حين تفقد آخر وعدٍ كاذب…
تبدأ أول خطوة حقيقية.
[الموسيقى ترتفع]
ظهر رجلٌ أمام شاشة مضيئة.
سألته: من هذا؟
قال: الذكاء.
قلت: ذكاء مَن؟
قال: لم يعد السؤال مهمًا.
اقتربت من الشاشة.
كانت تحسب أسرع مني.
تترجم أسرع مني.
تتذكر أكثر مني.
وتعرف احتمالات لم أفكر فيها.
قلت: لكنها آلة.
قال الصوت: وأنت ماذا كنت قبل أن تسمي نفسك إنسانًا؟
سكتُّ.
قال: كنت مادة.
ثم جاء صوت آخر:
— والحياة؟
قلت: كائنات.
قال: والإنسان؟
لم أجب.
فقال: ربما يكون الإنسان محطةً في تاريخ الذكاء…
كما كانت الحياة محطةً في تاريخ المادة.
انطفأت الشاشة.
[المشهد الأخير]
عدتُ إلى المائدة.
كان الجميع يأكل.
قلت: توقفوا!
لم يتوقف أحد.
صرخت: الطعام وهم!
رفعوا رؤوسهم.
نظروا إليّ.
ثم ضحكوا.
قال أحدهم: وماذا سنأكل إذن؟
نظرت إلى أطباقهم.
كانت ممتلئة.
لكنني هذه المرة رأيت ما فيها.
رأيت: خوفًا…
وأملاً…
وحبًا…
وعدالة…
وجمالًا…
ودينًا…
وعلمًا…
وذكاءً…
ومستقبلًا…
حتى الموت كان له طبق.
قلت: كل هذا وهم!
فقال العجوز: ربما.
قلت: إذن لماذا تأكلون؟
أجاب: لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش على الحقيقة وحدها.
سألته: وما الحقيقة؟
نظر إلى الطبق.
ثم ألقى الملعقة.
وقال: أن تعرف أن الطعام وهم…
ثم تختار بنفسك ماذا ستأكل.
سكتت المائدة.
ولأول مرة…
لم يأكل أحد.
وفي آخر القاعة،
كان هناك طفلٌ صغير.
لم يأكل شيئًا.
اقتربت منه.
قلت: ألا تريد طعامًا؟
قال: أريد أن أعرف أولًا…
— ماذا؟
رفع عينيه إليّ وقال: من الذي وضع المائدة؟
نظرت حولي.
لم يكن هناك أحد.
فقط…
مقعدٌ فارغ.
وفوقه ورقة كُتب عليها: «الوهم غذاء البشر…
أما السؤال، فهو أول علامات الجوع.»
الوَهْمُ غِذَاءُ البَشَرِ

